الجزائر - عمّـار قـردود
كشف مصدر عسكري جزائري، أن الجزائر وضعت في هدوء تام ومن دون ضجيج أو صخب إعلامي، سلاحًا جديداً تم اقتناؤه من روسيا الاتحادية، يهدف إلى التشويش على اتصالات الأقمار الصناعية المعادية في خطوة مهمة تجاه محاربة التجسس على منشآتها العسكرية و المدنية.
وذكر ذات المصدر العسكري في تصريحات خاصة إلى "العرب اليوم"، أنه تم تشغيل ما يسمى بنظام مكافحة الاتصالات في قاعدة أم البواقي الجوية العسكرية في شرق الجزائر، والتي تعتبر أكبر قاعدة عسكرية جوية في أفريقيا، وأضاف أن أجهزة التشويش الأرضية تستخدم ترددات لاسلكية كهرومغناطيسية لتعطيل عمليات الإرسال. وأضاف "أن هذا التأثير يضمن أنه خلال وقت الحاجة يتم إضعاف إمكانات الخصم الموجودة في الفضاء والتي تهدد قواتنا و منشآتنا و بعد انتهاء وقت الحاجة، يمكن لتلك القدرات الفضائية التي يستخدمها الخصم العودة إلى وضعها الأصلي". ويبدو أنه تم تشغيل هذا النظام في وقت سابق بكثير عمّا صوره مصدرنا لدواعي أمنية بحتة.
وحسب مصدرنا فإن مثل هذا النظام سيتيح للجزائر بحلول عام 2019 وقف وتعطيل الاتصالات الفضائية التجسسية لأي خصم. وعلى الرغم من أنه لم يتم كشف النقاب عن نشر هذا النظام رسميًا من طرف وزارة الدفاع الوطني إلّا أن مصدرنا أوضح أن مثل هذه الأمور العسكرية والأمنية لا يتم الإعلان عنها عبر القنوات الرسمية، مشيرًا إلى أن هذا النظام جد دقيق و ذو تكنولوجيا جد متطورة، وأن القليل من الدول فقط هي من تمتلكه لغلاء تكلفته". وقال: "إن هذا النظام يتألف من هوائي وأجهزة إرسال وأجهزة استقبال، يمكن تحميلها في مقطورة ونقلها من مكان لآخر".
وكانت المخابرات الجزائرية قد كشفت عن عمليات تجسس إسرائيلية على المنشآت العسكرية الجزائرية، من خلال طائرات من دون طيار أميركية تنطلق من تونس. وتبحث المخابرات الجزائرية بشكل نشيط عن شبكات تجسس إسرائيلية داخل البلاد. وبدأت القصة مع نهاية 2016، عندما كشفت قواعد حدودية في تبسة، على مقربة من الحدود التونسية، طائرات من دون طيار تحلق بشكل مكثف فوق مواقع حساسة في الجزائر. وعلى الرغم من أن الجهات الرسمية في تونس تكتمت على الأمر، إلا أن السلطات الجزائرية عبرّت عن غضبها بسبب ما حدث، وأعلن السفير الأميركي في الجزائر أن هذه الطائرات لا تراقب إلا الأراضي الليبية.
وخلصت جهود وكالات المخابرات الجزائرية المختصة في مكافحة التجسس إلى أن تلك الطائرات كانت تحت تصرف المخابرات الإسرائيلية "الموساد"، بهدف جمع معلومات حول المنشآت العسكرية الجزائرية. ومنذ ذلك الوقت، ووكالات دائرة الاستعلام والأمن في الجزائر في حالة حذر وترقب شديدين. وحذرت السلطات الجزائرية تونس العام الماضي من مخطط إسرائيلي لزرع عملاء "الموساد" على أراضيها. وقد سبق أن كشفت تقارير استخباراتية جزائرية عن وجود دور قوي للموساد الإسرائيلي هناك.
وأمام ضعف التجهيزات والخبرة في تعقب شبكات التجسس المعقدة، لم تتحرك تونس حتى مقتل المهندس التونسي محمد الزواري، يوم 15 ديسمبر/كانون الأول، في مدينة صفاقس. أما بالنسبة للمخابرات الجزائرية فلم يكن لديها أدنى شك أن عملية الاغتيال تحمل بصمة "الموساد"، باعتبار أن هذا المهندس كان يقدم دعمًا كبيرًا لحركة "حماس" الفلسطينية.
و يعتقد المراقبون أن "تونس أصبحت مثل قبرص في سنوات السبعينيات و الثمانينيات ( مليئة بالجواسيس ) خصوصًا بعد الانفلات الذي حصل بتونس و أيضا الاحداث الليبية، وهذا ما يعني أن الموساد ينشط بشكل كثيف في تونس، وهذا أمر مؤكد ليس الصهاينة فقط بل مختلف البلدان الذين اصبحوا يرسلون جواسيسهم لتونس الشقيقة للنشاط تحت غطاء صحافي أو أنهم مبعوثين امميين مهتمون بالشأن الليبي، وقد تم رصد طائرة بدون طيار إسرائيلية في الشهور الماضية قامت بالتحليق قرب الحدود الجزائرية، ونفس الامر تكرر بالحدود الجنوبية الجزائرية الليبية و التونسية و هذا ما يبين تنسيق الإسرائيليين مع الأمريكيين بشمال افريقيا".
كما أن المخابرات الجزائرية وضعت يدها على شبكة تجسس أجنبية، تتكون من مجموعة من المهاجرين القادمين من ليبيريا، في غرداية - جنوب الجزائر-وبحوزتهم أجهزة تجسس وأدوات اتصال متطورة جدًا. وبعد هذه العملية، أعلنت مصادر أمنية جزائرية تفكيك شبكة تجسس تعمل لحساب الموساد. وقالت وسائل الإعلام الجزائرية، إن السلطات الجزائرية تمكنت من ضبط الشبكة التي ضمت عددًا من العناصر الأجنبية وشكلت خلية تعنى بالنشاط لصالح إسرائيل. ونقلت قناة "I24news" الإخبارية الإسرائيلية، عن الإعلام الجزائرى، قوله، إن الشبكة مكونة من 10 أفراد من جنسيات مختلفة، "ليبية ومالية واثيوبية وليبيرية ونيجيرية وكينية وغانية".
وأكدت مصادر أمنية جزائرية أن العملية الأمنية مكنت من حجز معدات حساسة وسائل اتصال جد متطورة، كانت تستعمل في نشاط التجسس لصالح إسرائيل، فيما أمرت محكمة غرداية باعتقال أفراد الشبكة قيد التحقيق معهم بشبهة التجسس وخلق البلبلة والاخلال بأمن الدولة.
وتأتي هذه الحرب الاستخباراتية على الجزائر في إطار مساعي الأخيرة لتحديث تجهيزاتها العسكرية بشكل جذري، بمشاركة روسية. كما ينشط "الموساد" الإسرائيلي في الجنوب الجزائري، على امتداد حدودها الطويلة مع مالي وليبيا. وذكرت تقارير إعلامية غربية أن إسرائيل تستخدم القمرين الاصطناعيين "أوفيك6 " و" أوفيك7 " للتجسس على المنشآت الحيوية و العسكرية الجزائرية، و أفادت نفس التقارير أن القمر الاصطناعي "أوفيك6 "يحاول الحصول على صور دقيقة للقاعدة الجوية الجزائرية بأم البواقي، و التي تعتبر أكبر قاعدة جوية عسكرية في قارة إفريقيا و تربض فيها أسراب من الطائرات الحربية الروسية الصنع في غالبيتها.
و قد سبق لـ "أوفيك6 " أن التقط صورًا للمفاعلين النوويين الجزائريين "نور" في منطقة "درارية" و السلام بمدينة عين وسارة بولاية الجلفة، وعلى الرغم من وضع الجزائر مفاعليها النوويين السلميين تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلّا أن إسرائيل تزعم أن الجزائر تستخدم المفاعلين لأغراض غير سلمية. كما يعمل القمر الاصطناعي الإسرائيلي "أوفيك7 " على التقاط صور دقيقة لعدد من المنشآت العسكرية الجزائرية من بينها ثكنات منتشرة عبر بعض الولايات الجزائرية.
و قد أبدت إسرائيل و بعض الدول الغربية و حتى بعض الدول العربية كمصر والمغرب مخاوفها من سياسة التسلح المعتمدة من طرف الجزائر، منذ استلام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لمقاليد الحكم في البلاد من خلال إبرام صفقات كبيرة لشراء الأسلحة خاصة مع روسيا جعلتها في المرتبة الثالثة عربيًا و قاريًا من حيث التسلح.
ويبعد مطار أم البواقي العسكري عن مدينة أم البواقي بـ 13 كلم، ويوجد ما بين مدينتي عين البيضاء وأم البواقي ويعتبر أكبر مطار جزائري (مدني وعسكري)، إذ يتربع على 2000 هكتار ويبلغ السياج المحيط به حوالي 30 كلم وهو بذلك أكبر من كل مطارات الجزائر العسكرية، في بوفاريك والأغواط وعين وسارة و بوسعادة و تمنراست وحتى مطار تندوف الذي تجري به الأشغال حاليًا.
المطار الضخم الذي بدأت أشغال إنجازه في زمن الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد عام 1988 وكان تحت رقابة شركات مجرية انسحبت في أيام الإرهاب السوداء، أما حاليًا، فلعبت ثلاث شركات وطنية الدور الفعال لإنهاء هذا المشروع وهي (كوسيدار) التي أنجزت المدرج و(باتينكو) من عنابة و(erce) من قسنطينة، إضافة إلى مؤسسات أخرى كثيرة من فرنسا وإيطاليا وتركيا ساهمت بالدراسة وبالتجهيزات وأخرى جزائرية مثل "إيدرو ترانسفار وسونيوب وجيزبات وجنيسيدار". ويدور حديث عن إمكانية فتح بعض الأماكن للطيران المدني في هذا المطار الضخم، خاصة في حالة إغلاق مطار قسنطينة محمد بوضياف في وجه الملاحة بغرض توسيع مدرجه، حسب مشروع توسيع بعض المطارات.. وقد عرف هذا المطار المفخرة النور بعد 20 عامًا من الأشغال.
ومن جهة أخرى أكد الموقع البريطاني "بي بي سي" أنه يملك وثائق ومستندات تكشف قيام إحدى أهم وأكبر الشركات البريطانية المتخصصة في تجارة الأسلحة "بيوا سيستامز"، ببيع تكنولوجيات تجسس دقيقة وحديثة إلى عدد من البلدان العربية ومنها الجزائر.
وطورت الشركة نظاما أطلقت عليه اسم "إيفدنت" قادراً على تمكين الحكومات من القيام بعمليات مراقبة جماعية لاتصالات مواطنيها. أن هذا البرنامج يمكن من التجسس على البريد الإلكتروني والهواتف النقالة بسرعة وتقنية عالية تواكب الثورة التكنولوجية الحاصلة في عالم الإنترنت وفي عوالم التواصل الاجتماعي، أي إن معدات المراقبة تمكن من جمع وتصنيف وتحليل بيانات ملايين الأشخاص، واتصالاتهم الإلكترونية، لاستخدامها في تحديد مواقع الأفراد بناء على البيانات المرسلة من هواتفهم النقالة.
وتحدث أحد الموظفين السابقين في الشركة لبي بي سي ، دون كشف هويته، عن طريقة عمل نظام إيفدنت، وأضاف "ستكون قادرا على اعتراض أي نشاط على الإنترنت. وإذا أردتَ القيام بذلك في دولة بأكملها، فستطيع. يمكنك تحديد مواقع الناس من خلال بيانات هواتفهم المحمولة، كما يمكنك تتبع الناس من حولهم. هذه الوسائل تستخدم تكنولوجيا متقدمة إلى حد كبير في التعرف على الأصوات. تلك التكنولوجيا كانت قادرة على فك الشفرات".
وكان من بين عملاء الشركة الحكومة التونسية في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، حيث قال مسؤول استخباراتي تونسي سابق: "ثبَّتت شركة ETI النظام، وجاء مهندسوها لتدريبنا". وأضاف: "يعمل النظام عبر مفردات البحث. تُدخل إلى النظام اسم الهدف، فيعرض لك المدونات وحسابات التواصل المرتبطة بهذا المستخدم".
وكشف التحقيق الذي استمر عامًا كاملاً أن شركة BAE Systems كانت تبيع نظام مراقبة جماعية يُدعى Evident لحكومات شرق أوسطية، وقد حصلت الشركة على حق بيع النظام بعد استحواذها على شركة دنماركية تُدعى ETI في عام 2011.