طهران - العرب اليوم
بعد مخاض عسير أنهت ايران عام 2015 بالتوصل الى اتفاق نهائي "تاريخي" لبرنامجها النووي توج اكثر من عقد من المفاوضات مع القوى الكبرى, وقد تفتح تداعياته الباب على عهد جديد في إعادة صياغة معادلة العلاقات الإيرانية - الغربية و مراجعة التوازنات الاستراتيجية الإقليمية في ظل تجاذبات سياسية و متغيرات إقتصادية جديدة.
و مثل الاتفاق الموقع في 14 يوليو الماضي,المرحلة الثالثة و الاخيرة من مشاورات استغرقت 22 شهرا بين ايران و الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن زائد المانيا, بعد الاتفاق الانتقالي في نوفمبر 2013 بجنيف, و الاتفاق الاطار في ابريل 2015 في لوزان.
و تنص الوثيقة على رفع العقوبات الدولية و الامريكية المفروضة على ايران بسبب برنامجها النووي, مقابل تخليها على طموحاتها النووية التي ترى فيها الدول الست انها "ذات أبعاد عسكرية", و هو الامر الذي تنفيه ايران مرارا و تكرارا.
و يسمح الاتفاق النووي الموقع, لايران بالاحتفاظ ببرنامجها النووي بمكوناته الاساسية مع العمل على ايجاد بعض الآليات لضبطه, ووقف أي تطور فيه حتى لا تذهب نحو امتلاك السلاح النووي مستقبلا.
التداعيات الاستراتيجية للاتفاق النووي على المستوى الاقليمي
و يعتبر الملاحظون هذا الاتفاق الذي جاء بعد مفاوضات "شاقة" و مشاورات "متعثرة في أغلب الاحيان" ,"ربحا استراتيجيا" لايران, رغم ان بعض الاطراف الفاعلة في الساحة السياسية تلقته بنوع من "التحفظ", بينما أثار مخاوفا لدى دول منطقة الخليج من ان يؤدي رفع العقوبات الدولية التي فرضها المجتمع الدولي على طهران, الى تحسين اقتصادها واستغلاله في ترجيح موازين القوى لصالحها, وتعزيز نفوذها الاقليمي في محيط متفجر بسبب الازمات الأمنية و السياسية.
فالتوصل الى هذا الاتفاق "التاريخي" فتح المجال امام عودة ايران الى الساحة الاقليمية وممارسة دورها ك"قوة مؤثرة" باعتبار انه يمثل "بداية واضحة" لنوع من "الاختراق" في علاقات ايران مع الغرب و الولايات المتحدة بطريقة تسمح لها بالتأثير على الاوضاع السياسية في المنطقة العربية و قضاياها الداخلية الساخنة.
و في هذا الاطار صرح المرشد الأعلى علي خامنئي بعد التوقيع النهائي على الاتفاق بان "الاتفاق"لا يعني ان طهران ستتوقف عن تقديم الدعم لليمن و سوريا والعراق و للمقاومة في لبنان و فلسطين".
و من هذا المنظور فان الاتفاقية الايرانية-الغربية تمنح لطهران هامشا "أكبر" في التدخل و المناورة في الملفات الجيو -سياسية, و بتنامي نفوذها بما يجعلها تلعب الدور "الفاعل" في صنع القرارات على الساحة الاقليمية, و ما تشهده من أزمات معقدة.
و يعتبر مراقبون ان هذا الاتفاق ساهم أيضا في قلب فرضية الحل العسكري الهادفة الى اسقاط نظام الرئيس بشار الاسد, حيث بات ممكنا التوصل الى حل سياسي تضمن فيه ايران دور "الضامن الاقليمي" في الصراع الذي دخل عامه الخامس بمساندة روسيا باعتبارها "الضامن الكبير و الوازن في ترجيح موازين القوى".
في نظر خبراء اخرون مهتمين بالشان الايراني, فان مستقبل العلاقات بين ايران والولايات المتحدة فيما بعد الاتفاق سيحدده كل من بلد و الاستراتيجيات التي سينتهجها ازاء الاخر.
و فيما يتعلق بانعكاسات الاتفاق على ملف الشرق الاوسط فلا يتنظر الكثير من هذا الاتفاق (الذي احدث توترا بين اسرائيل و الولايات المتحدة) في تحريك المسار الفلسطيني الاسرائيلي, لان اسرائيل رفضته "شكلا" و "مضمونا" بل اعتبرته "خطأ تاريخيا", و عملت للضغط في اتجاه عدم التوصل اليه, و من ثم فان الادارة الامركية ستركز على فرصة انجاح الاتفاق مع ايران على حساب اعادة بعث المفاوضات المتعثرة بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي في ظل تمسك هذا الأخير في المضي في سياسته الاستيطانية, و رفضه قبول تسوية نهائية لمسار السلام.
تداعيات الاتفاق على المشهد الاقتصادي الايراني
في اعقاب الاعلان عن الاتفاق قفزت العملة الايرانية أكثر من 3 بالمائة مقابل الدولار الامريكي, وأفرجت الولايات المتحدة عن 8 ملايير دولار من الارصدة الايرانية المجمدة لديها, و يتوقع ان تتدفق على البلاد الاستثمارات الاجنبية في قطاع النفط الذي يحتاج الى ملايير الدولارات لاعادة انعاشه.
و يرى الخبراء انه بالرغم من ان الاتفاق لم يكفل لايران اجتياز الكثير من الازمات المالية الا انه يعتبر "مؤشر جديد" لانتعاش اقتصادها مستقبلا.
وقد يفتح الاتفاق الطريق أمام تعاون "إقليمي" او خلق شراكة جيدة مع دول اخري كروسيا و الصين و الهند, وغيرها من الدول المجاورة لها خارج نطاق منطقة الخليج.
بالمقابل تضرر الاقتصاد الايراني بشكل ملحوظ و تكبد خسائر تجاوزت 120 مليار دولار, حيث تم تسجيل ارتفاع مطرد في معدلات التضخم السنوية الى 40 بالمائة,وفقدت العملة المحلية الايرانية لاكثر من 50 بالمائة من قيمتها أمام العملات الاخرى.
كما انخفضت صادرات ايران النفطية باكثر من مليون برميل يوميا, ما شكل عجزا بالنسبة لبلد يبلغ فيه الانفاق الحكومي حوالي 65 دولار سنويا, ما افقدها عائدات بيع تقدر بمليارات الدولارات شهريا و ادى بالتالي الى انخفاض احتياطاتها من النقد الاجنبي من 100 مليار دولار في عام 2011 الى 80 مليار دولار بحلول يوليو عام 2013.
و حسب تقرير بعثة صندوق النقد الدولي الصادر ما بين 19 و30 سبتمبر الماضي, فان اقتصاد ايران "ضعيف في الوقت الحالي" مع تباطؤ ملحوظ في النشاط الاقتصادي منذ الثلاثي من السنة المالية 2014/ 2015 أي من يناير الى مارس 2015, وياتي هذا التقييم بما يتناسب مع تقرير المركز الاحصائي لايران الذي اشار الى ان الانتاج الصناعي انخفض بنسبة 2 بالمائة في تلك الفترة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2014.
و توقع الصندوق انه اذا لم تدخل تخفيف العقوبات حيز التنفيذ في اقرب الاجال فمن الممكن ان يستمر الانكماش الاقتصادي حتى مارس 2016.
و قبل ايام عن انتهاء عام 2014 قرر مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية رسميا اغلاق التحقيق في أنشطة ايران النووية, بناء على مراجعة لتنفيذها التزاماتها بعد تحقيقات استمرت 12 عاما, ما تعتبره طهران "انتصار اضافيا" يدعم مكاسبها, و يسرع من وتيرة نموها الاقتصادي, و يعزز صورتها داخليا و خارجيا.
نقلاً عن وأج