بغداد- نجلاء الطائي
ارتفعت دعاوى التهديد العشائري بنحو ملحوظ في الآونة الأخيرة على الرغم من أن حالات كثيرة لم ترد إلى المحاكم.
وأعرب قضاة عن أسفهم لأن القسم الأكبر من الشكاوى المسجلة رسميًا تنتهي بالتنازل ما يفضي لإفلات المتورطين بها من العقاب، فيما أشاروا إلى أن ضباطًا وعناصر في القوات الأمنية يتهربون عن تنفيذ أوامر قبض صدرت بحق متهمين عن هذه الجرائم خشية وقوعهم تحت طائلة "الفصول العشائرية" وهي في العادة مبالغ مالية كبيرة.
وأكد القاضي عمار خشان، في حديث للمركز الإعلامي للسلطة القضائية اطلع "العرب اليوم" عليه، أن قسمًا من محاكم البلاد تسجل يوميًا بنحو 10 دعاوى تخص التهديدات العشائرية، لكنه يتوقع وجود المئات منها لكنها لم تصل إلى القضاء.
ويشير خشان إلى أن "شعور المواطن بقوة العشيرة على حساب الدولة أدى إلى انتشار هذا النوع من التهديدات، وحتى الطرف الآخر (المجني عليه) يرد على الجاني بذات الأسلوب وعادة لا يلجأ إلى الطرق القانونية".
ويلقي قاضي التحقيق باللائمة على الأوضاع الأمنية الحالية، وانتشار السلاح بيد عامة الشعب، وغياب الثقافة بأنواعها في نمو بيئة مناسبة للتهديدات.
ويأسف خشان لأن "هذه الأعراف لم تقتصر على الناس البسطاء فحسب"، وقال إن أحد أستاذة الجامعات تلقى تهديدًا عشائريًا تعرض رد له بذات الأسلوب، وأنه برغم تسجيله دعوى لدى محكمتنا لكنه لم يقتنع بالإجراءات القانونية.
وبين أن "غالبية دعاوى التهديدات العشائرية تنتهي بالتنازل، ويجد أن ذلك يفضي إلى ضياع جهود الجهات التنفيذية والقضاء في ملاحقة المتورطين الذين يضغطون على المشتكي لأجل التنازل والمحاكمة مضطرة لقبوله وإغلاق الدعوى".
و"الدكة" وهو نوع من التهديد العشائري من خلال إطلاق النار أمام دار الضحية كما يعرفه القاضي خشان، ويستغرب من قدرة هؤلاء المسلحين على الانتقال بين المدن وسط هذا الكم الهائل من نقاط التفتيش.
وأضاف أن "الدكة لم تقتصر على إطلاق العيارات النارية فحسب، بل ازدادت خطرًا باستخدام العبوات الناسفة والرمانات الصوتية، وينصح بتشريع قانون خاص يشدد الجرائم التي تترتب على الفصول العشائرية".
ولايفرق المشرع، بحسب خشان، بين "طرق التهديد سواء وقعت بإطلاق العيارات النارية، أو كتابة عبارات هدر الدم على العقارات والمحال التجارية، وجميعها تعد تهديدًا شريطة عدم وقوع إصابات، وأن الرادع الأول لمنع هذه الجرائم، السلطة التنفيذية من خلال منع الناس من الوصول بأسلحتهم إلى ضحاياهم ومن قبل ذلك الحيلولة دون انتشار هذه الأسلحة".
أما بشأن أوامر القبض، أجاب خشان أن "القضاء يصدر مذكرات بحق المتهمين، ويتابع مع القوات الأمنية تنفيذها، وهناك مطلوبون في مناطق يصعب الوصول إليها، وإن ضباطٍا وعناصر أمن لا ينفذون أوامر قبض؛ لأنهم ينتمون إلى ذات عشائر المطلوبين أو أنهم يخشون من هذه العشائر كونها قوية".
وتابع خشان أن "الكثير من الضباط تعرضوا لتهديدات أثناء تأدية واجبهم ووقعوا ضحية فصول عشائرية، ويؤشر تزايدًا في هذه التهديدات وقسمًا من الفصول تقع لأسباب بسيطة".
ونوه إلى وجود "نصابين مختصين بالتهديد العشائري ويسترزقون من خلال إثارة غضب الآخرين لأجل التكسب المادي، وأن قسمًا آخرًا يدعون أنهم شخصيات من قبلية بزي عربي مهمتهم الدفاع عمن لا يمتلك عشيرة تسانده".
وذكر قاضي التحقيق أن "عملية الدفاع تكون لقاء مبلغ مالي أو منفعة، وتقسم الأتعاب على دفعتين الأولى قبل تنفيذ العملية والثانية بعدها".
وعما إذا ثبت أن دوافع التهديد متطرفة أو ذات طابع طائفي إلى التهجير، أجاب: نفعّل هنا مواد قانون مكافحة التطرف التي تصل عقوبتها إلى الإعدام، وهناك أشخاص يسترزقون من ابتزاز الآخرين، سجلت عليهم أكثر من دعوى تهديد في المحكمة ولكن بسبب نفوذهم العشائري يجبرون الضحية على التنازل ويحصلون منه أيضًا على مبالغ مالية.
وجريمة التهديد جاءت عامة في القانون، قسمها المشرع والقول للقاضي سامي تركي، إلى جنحة إذا وقعت بنحو لفظي وفقًا للمادة 432 من قانون العقوبات، أما إذا حصلت بدافع القتل فتحدثت عنها المادة 430 من القانون ذاته على أنها جناية.
وأضاف تركي أنه "بعد ورود شكوى إلينا عن تهديد عشائري تتخذ الإجراءات القانونية باستقدام المتهم أولًا كان بإطار الجنحة، وإذا لم يحضر تصدر بحقه مذكرة قبض، أما إذا كان التهديد تحت مظلة الجناية فأن أمر القبض يصدر بنحو مباشر".
ونوه تركي إلى "أننا بعد استكمال الاجراءات التحقيقية نحيل المتهم على المحكمة المتخصصة لتجرى محاكمته".
وأوضح أن "معرفة حيثيات التهديد ودوافعه تمنح المحكمة القدرة على تكييف الواقعة في أنها جناية أو جنحة، وأن القضاء يسهم ببعض الإجراءات التي تحمي المشتكي من التهديد العشائري؛ لأنه وفر للتحقيق القضائي مكتبًا تجنبه الذهاب إلى مركز الشرطة القريب من داره".
واختتم تركي بأن "القانون يمنح الضحية الحق في المطالبة بتعويض مادي عن طريق المحاكم المدنية إذا لحق به ضرر جراء التهديد، كأن تقع الجريمة على محله التجاري ما يؤدي إلى إغلاقه".