لندن ـ العرب اليوم
مجلس اللوردات يصفه بـ "السلوك الأخلاقي البغيض"
قدر مجلس اللوردات البريطاني كمية المواد الغذائية التي يلقيها سكان المملكة المتحدة في صفائح القمامة سنوياً بـ 15 مليون طن، بينما قدر ما يلقيه سكان الاتحاد الأوروبي بـ 90 مليون طن من الطعام في النفايات سنويا، ووصف مجلس اللوردات هذا السلوك بأنه سلوك بغيض أخلاقيا.
لكن الوصف الأخلاقي للظاهرة لم يمنع المجلس والخبراء البريطانيين من التحذير من تداعياتها الاقتصادية، وقبل البحث في التداعيات سعى تقرير أعده المجلس لوضع أصابعه على الأسباب المؤدية لهذا السلوك غير الأخلاقي والمضر اقتصاديا وفقا لما جاء في التقرير.
وإذ أقر التقرير بأن إلقاء الطعام في صفائح القمامة سلوك يقوم به الأفراد والأسر البريطانية، إلا أنه حمل المسؤولية في ذلك محال بيع السلع الغذائية، وأضاف التقرير أنه يتعين على المحال التجارية لبيع المواد الغذائية أن توقف سياستها الراهنة تحت شعار "اشترِ واحدة للحصول على أخرى مجانا" لأن هذا الشعار ينمي استهلاكا زائفا للطعام ينتهي غالبا في مكبات النفايات. سياسة البيع تلك السائدة في جميع محال بيع الغذاء الكبرى في بريطانيا تمتد من الخبز إلى اللحوم مرورا بالخضار والفاكهة والأجبان، وهو ما يشجع من وجهة نظر معدي التقرير على شراء كميات مبالغ فيها من الطعام الذي لا يستهلك لاحقا.
وعلق بوب جيلدر الباحث في مجلس اللوردات البريطاني والمشارك في إعداد التقرير قائلا: إن خطورة الظاهرة وتناميها ليس فقط في بريطانيا أو الاتحاد الأوروبي وإنما في الدول الصناعية عامة وهو ما دفعنا إلى البحث في أسبابها وتداعياتها، فما يذهب إلى مكبات النفايات وسلة القمامة سنويا من المواد الغذائية في البلدان الصناعية يقدر بـ 222 مليون طن من الطعام، وهو أقل فقط بنحو عشرة مليون طن عن صافي الناتج الغذائي في البلدان الإفريقية جنوب الصحراء، وهذه المشكلة لم تعد فقط أخلاقية، وإنما لديها انعكاسات اقتصادية وبيئية خطيرة على مجتمعاتنا. وقال لـ "لاقتصادية": إن تقديرنا هو أن انبعاثات الكربون من فضلات الطعام الملقاة في جميع أنحاء العالم تعادل ضعف انبعاثات الكربون من جميع وسائل النقل في الولايات المتحدة.
وصرحت البارونه سكوت عضو مجلس اللوردات ورئيسة اللجنة التي أعدت التقرير للإعلام البريطاني قائلة "لقد أصبنا بالصدمة من كميات الطعام الملقى في القمامة في الاتحاد الأوروبي، وخاصة في ظل الوضع الراهن حيث تمر جميع البلدان الأوروبية بتحديات اقتصادية. إنه أمر صادم أن نخسر كل هذه الموارد".
ويشير بعض الباحثين إلى جانب آخر للمشكلة ملقين فيه اللوم أيضا على شركات الغذاء الكبرى، ولـ "لاقتصادية" تقول الدكتورة تينا باركر مدرسة الأنماط الغذائية في المعهد الملكي للدراسات الطبية إن هناك عدة جوانب للمشكلة، أولها شراء المستهلكين جراء الإغراءات السعرية كميات طعام مبالغ فيه تزيد كثيرا عن احتياجاتهم الاستهلاكية، وأغلب هذا الطعام لا يكون قابلا للتخزين لفترات طويلة، والسبب الثاني هو القوة المالية الضخمة التي تمتلكها شركات الغذاء، إذ تقوم بالاتفاق مع المزارعين على شراء المحصول ثم تقوم بإلغاء هذه الاتفاقيات، ولغياب قدرة المزارعين على التصدير فإنهم يتركون المحصول في الأراضي الزراعية ولا يحصدونه ولا يتم الاستفادة منه، كما أن الغرامات الضخمة التي تفرض على المزارعين إذا لم يقوموا بتوفير كميات المحاصيل المطلوبة من قبل الشركات الغذائية المتعاقدة معهم تدفعهم إلى زراعة كميات مبالغ فيها من المحاصيل التي لا تستهلك في نهاية المطاف.
وحول سبل الحل تشير الدكتورة تينا إلى دور التوعية على المستوى الشعبي والجماهيري، إلا أن هناك دورا أكبر يناط بالمحال التجارية الكبرى حيث ينبغي أن تعيد النظر في سياستها الخاصة بتشجيع المستهلكين على شراء كميات أكبر تحت دعوى خفض السعر، إذ يمكن أيضا خفض السعر بدرجة ما دون دفع المستهلكين لشراء كميات أكبر وعدم الاستفادة منها، كما يجب إجراء المزيد من الأبحاث لإيجاد سبل لتفادي التلف السريع للمواد الغذائية، والبحث عن سبل تخزين أكثر قدرة على إبقاء الطعام لفترات أطول دون أن يتلف.
ولفت التقرير إلى أن المحال الغذائية الكبرى تنجح دائما في التخلص من المواد الغذائية الموجودة لديها قبل أن تتلف وبيعها للمستهلك بأسعار منخفضة للغاية، بحيث يصبح هناك انطباع عام بأن المستهلكين في بريطانيا هم المسؤولون عن 42 في المائة من الطعام الذي ينتهي به المطاف في النفايات، بينما يتحمل المنتجون نسبة 39 في المائة في الوقت الذي لا تزيد فيه مساهمة محال التجزئة المتخصصة في بيع الطعام على 5 في المائة. ودفع الضغط الإعلامي المتواصل بشأن هذه القضية الحكومة البريطانية إلى إجبار محال التجزئة لبيع المواد الغذائية على أن تقوم بداية من 2015 بإطلاع السلطات البريطانية على كميات الأطعمة التي تفسد لديها ولا يتم بيعها سنوياً، رغبة أن يسهم ذلك في وضع خريطة تفصيلية للمجتمع البريطاني وكميات الغذاء المهدرة لديه، على أن يتم الاستفادة منها سواء عن طريق منحها لبنوك الطعام لتوزيعها على المحتاجين شريطة أن تمنح لبنوك الطعام قبل وقت كافٍ من تعرضها للتلف وعدم صلاحياتها للاستهلاك البشري، أو تمنح لمحال التجزئة خصومات ضريبية إذا قلصت سنويا كميات الطعام المهدرة لديها.
ودفعت ظاهرة إهدار مواد الطعام لدى الأسر والأفراد في المملكة المتحدة بالبعض إلى القيام بحملة لتقليص ذلك عبر توعية المستهلك بقيمة التوفير المالي الذي يمكن أن يتحقق إذا ما تخلص المجتمع من هذه الظاهرة.
وقدرت حكومة اسكتلندا أن المستهلكين يلقون نحو خمس طعامهم في النفايات، وهي تعمل حاليا على استغلال ذلك كنوع من السماد الطبيعي في الأراضي الزراعية أو في مجال توليد الطاقة المتجددة.
المصدر: الإقتصادية