لندن - عُمان اليوم
تُشكل القدرات البيولوجية الاستثنائية لبعض الكائنات الحية مصدراً ملهماً للعلماء لتطوير علاجات طبية مبتكرة للحالات الحرجة؛ ومن أبرز هذه الكائنات "سنجاب الأرض القطبي"، الذي يعد نموذجاً فريداً للثدييات بفضل قدرته على البقاء على قيد الحياة في درجات حرارة للجسم هي الأدنى على الإطلاق، وهو ما يفتح الباب لتطوير علاجات جديدة للنوبات القلبية، السكتات الدماغية، وإصابات المخ الشديدة. وتبدأ دورة حياة أنثى هذا السنجاب ذو اللون النحاسي في شهر أغسطس مع نهاية الصيف وقصر ساعات النهار، حيث تدفعها غريزتها لتكوين مخزون ضخم من الدهون عبر التغذية المكثفة على أعشاب ونباتات التندرا، قبل أن تعود إلى جحرها الواقع على عمق نحو متر تحت الأرض لتدخل في سبات شتوي عميق تتوافق بدايته لدى الإناث مع هذا الشهر، في حين يبدأ لدى الذكور لاحقاً ببضعة أشهر. وخلال هذه الحالة، تتباطأ وظائف جسم الحيوان بشكل جذري؛ حيث يقتصر التنفس ونبض القلب على بضع مرات في الدقيقة الواحدة لدرجة يصعب معها التمييز بين كونه حياً أو ميتاً. وتحت وطأة تجمد الأرض فوق الجحر وبلوغ حرارتها 20 درجة مئوية تحت الصفر، تنخفض حرارة جسم السنجاب هبوطاً حاداً، لتسجل حرارة الدماغ صفر درجة مئوية، والبطن درجتين تحت الصفر، بينما تصل الأطراف الخلفية إلى 2.9 درجة مئوية تحت الصفر، وهي أدنى درجة حرارة سُجلت لثديي بقي حياً. ويستمر السنجاب على هذا الوضع لثمانية أشهر كاملة دون طعام أو ماء، ولا يفيق إلا على فترات متباعدة حتى ترتفع حرارة الأرض ربيعاً.
وتعتمد هذه القوارض المتواجدة في الأجواء الشمالية القاسية بكندا وألاسكا وسيبيريا على السبات للنجاة، إلا أنها تنفرد بطول المدة والقدرة على تحمل درجات حرارة شديدة الانخفاض، مما جعلها محور دراسات مكثفة مستمرة منذ ما يزيد على خمسين عاماً في جامعة ألاسكا فيربانكس لفهم الأسس البيولوجية للسبات وتطبيقها مستقبلاً على البشر. ويبدو أن السناجب تمتلك ساعة بيولوجية داخلية تحدد موعد سباتها بجانب طول النهار. وفي البيئات المختبرية، ينقل الباحثون السناجب إلى غرف تبريد مظلمة تحاكي الجحور، حيث ترقد متكورة داخل أقفاص بلاستيكية فوق قطن أو نشارة خشب، ويتم احتضانها في البداية لتعتاد التعامل مع الباحثين فلا تستفيق أثناء سحب عينات الدم أو القياسات. وتكمن الأهمية الطبية لإبطاء التمثيل الغذائي البشري في كسب مزيد من الوقت لعلاج الحالات الحرجة، وإتاحة تبريد وقائي يحمي الأعضاء الحيوية مثل المخ من نقص الأكسجين. وعلى الرغم من أن الأطباء استخدموا الثلج أو الأدوية لتبريد مرضى السكتات والنوبات القلبية سابقاً لحماية أعضائهم، فإن تلك الاستراتيجية تواجه صعوبة لأن الجسم يقاوم التبريد ويسعى لاستعادة الدفء بالارتجاف. ومن هنا، فإن إبطاء التمثيل الغذائي ليبرد الجسم طبيعياً سيكون أكثر فاعلية لعدم وجود مقاومة، كما أنه يسهم في الحفاظ على الأعضاء المخصصة للزرع لفترات أطول، ويحمي مرضى السرطان من الآثار الضارة للإشعاع التي تنتج نواتج ثانوية خطيرة في ظل التمثيل الغذائي الطبيعي. فضلاً عن ذلك، يتيح هذا التباطؤ كسب وقت ثمين لإنقاذ مصابي السكتات الدماغية في المناطق النائية أو الجنود الجرحى في ساحات القتال، وهو ما دفع مكتب أبحاث الجيش الأمريكي ووزارة الدفاع الأمريكية لتمويل هذه الأبحاث.
وفي مسار البحث عن الآليات الجزيئية، اكتشف العلماء قبل ما يزيد على عشر سنوات أن جزيء "الأدنوسين" – وهو جزيء طبيعي يتراكم في مخ البشر يسبب النعاس ويحجبه الكافيين – يعد محفزاً رئيسياً للسبات. وفي تجربة عام 2011، جرى حقن أدمغة السناجب بعقار مماثل للأدينوسين يدعى "6-إن سيكلوهكسيل أدينوسين"، مما أدخلها في حالة شبيهة بالسبات وتباطأ تمثيلها الغذائي وتوقفت عن إنتاج الحرارة وانخفضت حرارتها. والمثير أن حقن هذه المادة في أدمغة فئران عادية (لا تدخل السبات طبيعياً) في دراسة عام 2013، أدى لانخفاض حرارة أجسامها الأساسية من 38 إلى 28 درجة مئوية، وأظهرت الفئران أنماطاً متشابهة من النشاط الكهربي للدماغ وبطء وعدم انتظام نبضات القلب كالسناجب، مما يثبت إمكانية تحفيز السبات في حيوانات لا تمارسه بطبيعتها، ويرجح أن الثدييات احتفظت بهذه الآليات الجزيئية من الماضي. ومع ذلك، فإن التطبيق على البشر يواجه عقبات؛ فحقت أدوية الأدينوسين في المخ إجراء تدخلي لا يصلح للطوارئ، وإعطاؤه وريدياً يسبب آثاراً جانبية خطيرة كتقلبات سكر الدم أو فشل القلب، كما لا يمكن حالياً خفض حرارة الإنسان لمستويات السنجاب لافتقاره لآليات تبريد الأنسجة الخاصة به.
وتقود الأبحاث الحالية إلى استراتيجيات بديلة؛ حيث أظهرت دراسة العام الماضي أن تعطيل مجموعة خلايا عصبية مسؤولة عن تنظيم حرارة الجسم في أدمغة الفئران كيميائياً يؤدي إلى ظاهرة "انعكاس تنظيم الحرارة". فبينما تعمل هذه الخلايا طبيعياً على منع الانخفاض المفرط للحرارة بالارتجاف أو الارتفاع الزائد بتوسيع الأوعية، فإن تعطيلها يجعل الجسم يسعى لدرجة حرارة أقل، فيتباطأ التمثيل الغذائي والنبض والتنفس، ويُعتقد أن الأدينوسين هو الإشارة المحفزة لهذا الانتقال، ويجري البحث حالياً للتأكد مما إذا كانت هذه الدائرة البديلة مسؤولة عن سبات السناجب لتمهيد الطريق لتطوير علاجات بشرية معطلة لتلك الخلايا. ورغم عدم وجود دليل قطعي على وجود هذه الدائرة لدى البشر، فإن حالات نادرة لنجاة أشخاص من تجمد شديد تدعم الاحتمالية؛ مثل رجل نجا في بنسلفانيا بعدما فقد وعيه في ثلج بسمك قدمين وانخفضت حرارة جسمه إلى 18 درجة مئوية وعاد للحياة بعد تدفئته طبياً، مما يرجح أن هذه القدرة قد تكون موجودة لدى البشر ولكن بشكل أقل وضوحاً مقارنة بالقوارض.
ومن جانب آخر، يركز العلماء على قدرة سناجب الأرض القطبية على مقاومة إصابات "نقص التروية وإعادة التروية"، وهي الأضرار والالتهابات وموت الخلايا الناشئة عن التدفق المفاجئ للأكسجين والخلايا المناعية عند عودة الدم لعضو حُرم منه بسبب سكتة أو نوبة قلبية. وتظهر السناجب مقاومة عالية لهذه الإصابة نتيجة تكيفها مع نقص الدم والأكسجين في السبات، وتوصلت دراسة عام 2020 إلى أن تركيز مادة "اليوديد" المستمدة من الغذاء يرتفع في دم السناجب أثناء السبات إلى ثلاثة أمثال مستواه الطبيعي ويوفر لها الحماية. وعند حقن الفئران باليوديد بعد قطع تدفق الدم عن أطرافها، تعرضت لتلف أقل في الأنسجة مقارنة بالتي حقنت بمحلول ملحي. وبناءً على ذلك، استكشفت شركة "فاراداي فارماسيوتيكالز" فوائد إعطاء اليوديد للبشر، وفي دراسة طبية من المرحلة الثانية عام 2022، أظهر المرضى الذين عولجوا باليوديد قبل عملية رأب الأوعية الدموية إثر نوبة قلبية شديدة مؤشرات أقل على تلف القلب والإجهاد مقارنة بمن تلقوا علاجاً وهمياً، وتتطلب النتيجة تجربة أكبر للتحقق.
وتتعدد جوانب الاستفادة من هذا الكائن لتشمل مجالات أخرى؛ حيث تُدرس كيفية الحفاظ على الكتلة العضلية للسناجب أثناء السبات لتطوير علاجات تمنع ضمور عضلات المرضى الملازمين للفراش. كما تُبحث كيفية انتقالها من الشهية المفرطة قبل السبات إلى فقدانها الكامل خلاله، لتحديد المسارات العصبية المسؤولة واستهدافها لتطوير أدوية مكافحة السمنة. وأخيراً، تمتد التطبيقات لتشمل الرحلات الفضائية الطويلة، وهو ما دفع وكالة "ناسا" لتمويل بعض هذه الأبحاث؛ إذ إن إدخال رواد الفضاء في حالة "تعليق حيوي" شبيه بالسبات من شأنه تقليل كميات الغذاء المطلوبة، خفض الفضلات، الحد من فقدان الكتلة العضلية في بيئة انعدام الجاذبية، توفير الحماية من الإشعاعات الفضائية الخطرة، وتخفيف التحديات النفسية الناجمة عن البقاء في مركبة فضائية صغيرة لفترات طويلة. وفي انتظار قدوم ربيع التندرا، تظل بيولوجيا السنجاب القطبي مفتاحاً علمياً واعداً لتعزيز صحة البشر وتمهيد طريقهم نحو النجوم.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
السناجب تتسبب بأضرار على أشجار النخيل في شناص العماني
سنجاب ذكي يستغل مروحة مكيف الهواء للشعور بالانتعاش
أرسل تعليقك