القاهرة - عُمان اليوم
تشهد مصر جدلاً متصاعداً حول ما يُعرف بالعنف التوليدي داخل غرف الولادة، بعد انتشار شهادات لنساء وأطباء تحدثوا عن تعرض مريضات لأشكال مختلفة من التعنيف الجسدي واللفظي، وإجراءات طبية أُجريت دون موافقة أو تخدير كافٍ، إضافة إلى انتهاكات تتعلق بالخصوصية والتعامل الإنساني أثناء الولادة.
تروي سيدة مصرية تجربة ولادة داخل مركز طبي خاص بمحافظة الفيوم، انتهت بحسب قولها إلى صدمة نفسية حادة استمرت عدة أشهر، بعد أن تعرضت لإجراءات طبية قسرية خلال المخاض، شملت إعطاء طلق صناعي رغم سير الولادة بشكل طبيعي، ثم تعرضها لإهانات لفظية وعنف جسدي أثناء شدة الألم، وهو ما أدخل تجربتها في إطار ما يُعرف بالعنف التوليدي.
وتصف منظمات صحية العنف التوليدي بأنه أي إساءة أو انتهاك لكرامة المرأة أو جسدها أثناء الحمل أو الولادة أو ما بعدها، ويشمل الإهمال، أو التدخلات الطبية دون موافقة مستنيرة، أو المعاملة المهينة، أو الحرمان من الرعاية اللازمة. وتشير تقديرات بحثية إلى أن هذه الظاهرة منتشرة عالمياً بنسب متفاوتة، مع ارتفاع حالات التدخلات الطبية غير المبررة أو غير المتفق عليها في بعض السياقات.
وخلال الأيام الأخيرة، أثارت تدوينات وشهادات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي موجة نقاش واسعة في مصر، تضمنت اتهامات بوقوع حالات إجهاض قسري، وولادات دون تخدير، وإساءة معاملة لفظية وجسدية داخل مستشفيات حكومية وخاصة. ورغم عدم التحقق من جميع هذه الادعاءات بشكل مستقل، فإنها دفعت جهات مهنية وطبية إلى فتح نقاش عام حول الظاهرة.
وتعود بعض هذه الاتهامات إلى منشورات لطبيبة سابقة تحدثت عن وقائع قالت إنها شاهدتها خلال فترة تدريبها في أحد المستشفيات الجامعية بالإسكندرية، قبل أن يتم توقيفها عقب بلاغ يتهمها بنشر أخبار كاذبة، على خلفية ما نشرته من روايات حول انتهاكات مزعومة. وقد أُخلي سبيلها لاحقاً بكفالة، بينما أعلنت الجامعة فتح تحقيق في الوقائع المثارة، في حين أكدت نقابة الأطباء أنها لم تتلق شكاوى رسمية موثقة بشأن تلك الادعاءات.
وفي المقابل، تحدثت طبيبتان تعملان في مجال النساء والتوليد عن ممارسات قالتا إنهما شهدتاها خلال التدريب والعمل، من بينها توبيخ المريضات أثناء الولادة، واستخدام أساليب قاسية للحد من الصراخ، وإجراءات تُنفذ أحياناً دون تخدير كافٍ بسبب نقص الموارد أو ضغط العمل، إضافة إلى مشاكل تتعلق بغياب الخصوصية وكثافة الحالات مقارنة بعدد الأطباء.
وتشير روايات أخرى إلى وجود ممارسات إدارية مرتبطة بتسجيل المواليد أو قبول الحالات الطارئة، حيث يُعامل بعض المرضى بشروط إجرائية رغم طبيعة الولادة كحالة طبية عاجلة تستوجب التدخل الفوري، بينما تنص القواعد الطبية على ضرورة تقديم العلاج أولاً ثم استكمال الإجراءات الإدارية لاحقاً.
من جانبها، تؤكد منظمات حقوقية تعمل في مجال صحة المرأة أنها وثقت حالات متعددة من العنف التوليدي، لكنها تشير إلى صعوبة تحديد حجم الظاهرة بدقة بسبب غياب الإبلاغ الرسمي والخوف من الوصم الاجتماعي وصعوبة إثبات الانتهاكات داخل غرف مغلقة.
وتوضح تقارير واستبيانات محلية أن عدداً كبيراً من النساء في مصر أبلغن عن خضوعهن لفحوصات طبية متكررة دون شرح كافٍ أو موافقة واضحة، وهو ما يُصنف ضمن انتهاكات حرمة الجسد أثناء الرعاية الصحية. كما تشير بيانات أخرى إلى ارتفاع معدلات الولادة القيصرية في مصر مقارنة بالمعدلات العالمية، ما يثير نقاشاً إضافياً حول أنماط التدخل الطبي أثناء الولادة.
في المقابل، لا ينكر مسؤولون في نقابة الأطباء وجود بعض التجاوزات الفردية، لكنهم يرفضون تعميم الاتهامات على القطاع الطبي بأكمله، مشيرين إلى أن أغلب الأطباء يقدمون رعاية جيدة رغم ضغط العمل ونقص الإمكانيات، مع الدعوة إلى تحسين ظروف المستشفيات وزيادة أعداد الكوادر الطبية وتوفير التجهيزات اللازمة.
وتؤكد النقابة أنها تتابع أي بلاغات أو وقائع يتم تقديمها رسمياً، وتعمل على تنظيم ورش عمل لمناقشة مفهوم العنف التوليدي وطرق الحد منه، بالتوازي مع دعوات لتحسين بيئة العمل داخل أقسام النساء والتوليد.
ويرى خبراء ومشرعون أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب إطاراً أوضح لتعريف الانتهاكات داخل الرعاية الصحية، وتفعيل آليات الشكاوى، وتدريب الطواقم الطبية، إلى جانب تعزيز ثقافة احترام حقوق المريضات أثناء الولادة.
وبين شهادات نساء يتحدثن عن تجارب صادمة داخل غرف الولادة، ونقاش طبي ومهني حول ضغوط النظام الصحي، يبقى ملف العنف التوليدي في مصر مفتوحاً على جدل واسع بين من يطالب بالتحقيق والمساءلة، ومن يحذر من التعميم والإضرار بثقة المجتمع في المنظومة الطبية.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
دراسة جديدة تُؤكِّد أنَّ الولادة القيصرية تُهدِّد الأطفال بمرض اجتماعي
ممارسة الرياضة خلال الحمل تقلل فرص الولادة القيصرية
أرسل تعليقك