القاهرة - عُمان اليوم
تناول تقرير صادر عن القاهرة تاريخ قصيدة "البردة" للإمام البوصيري، وأثرها الممتد في شعر المديح النبوي والثقافة الإسلامية لأكثر من سبعة قرون، بدءاً من مجالس الإنشاد في مصر وصولاً إلى حلقات الذكر في جنوب أفريقيا وإندونيسيا، ومن مخطوطات المكتبات العثمانية إلى تسجيلات المنشدين المعاصرين.
وأوضح عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى بمشيخة الأزهر، الدكتور صابر حسني، أن تسمية القصيدة تعود في الأصل إلى حادثة وقعت في بداية عصر الإسلام؛ حيث تُشير كتب السيرة إلى الشاعر الجاهلي كعب بن زهير بن أبي سُلمى، الذي ينحدر من عائلة شعرية بارزة وكان لشعره وزن ثقيل في الحجاز. وبعد أن هجا النبي محمد وحرّض ضد المسلمين، أُهدر دمه عقب فتح مكة. غير أن أخاه "بُجير" نصحه بالقدوم اعتذاراً وتائباً. وعندما حَضَر كعب بين يدي النبي وعرّف بنفسه أنشد قصيدة اعتذار واستعطاف من 60 بيتاً كان من أشهر أبياتها: "إنَّ الرَّسَولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ.. مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ"، فما كان من النبي إلا أن ألبسه بُردته (عباءته) مكافأة له، لتُصبح تلك أول قصيدة مديح تُعرف بـ"البردة" في التاريخ الإسلامي.
وبعد وفاة ابن زهير بنحو ستة قرون هجرية، نظم الشاعر المصري محمد بن سعيد البوصيري، المولود في بلدة بوصير بمحافظة بني سويف، قصيدته الشهيرة في مدح النبي المتكونة من 160 بيتاً عقب إصابته بالشلل السُّفلي (الفالج) متوسلاً بالشفاء، فرأى النبي في منامه يمسح على جسده فتأكد شفاؤه، وسُميت قصيدته بـ"البُرأة"، وورد في روايات أخرى أنه خلع عليه بردته بالمنام فسميت بـ"البردة الثانية". وسماها البوصيري أصلاً "الكواكبُ الدُرّية في مدح خير البريّة"، والتي تحولت لاحقاً إلى نص ذي أبعاد روحانية وتعبدية، ونُقشت بعض أبياتها في العصر العثماني على جدران قصر طوب قابي حمايةً وبركة، وتُرجمت مبكراً إلى الملاوية والعثمانية والفارسية ولاحقاً لعدة لغات عالمية.
وأشار الدكتور حسني إلى ظهور حركة أدبية تفاعلت مع البردة، تُعرف بـ"التخميس" و"التسبيع"؛ حيث يقوم الشاعر بإضافة ثلاثة أو خمسة أشطر على أبيات القصيدة مع الحفاظ على الوزن والقافية والترابط الدلالي. وذكر نقل الإفتاء عن الحافظ السخاوي أن جمال الدين الكرماني جمع في القرن التاسع الهجري أكثر من 60 قصيدة مخمسة للبردة، من أبرزها تخميس ابن حجة الحموي، وتخميسة الشاعرة والأديبة المتصوفة عائشة الباعونية، فضلاً عن تسبيعات مثل "تفريج الشدة في تسبيع البردة" المنسوب للقاضي ناصر الدين البيضاوي.
وفي العصر الحديث، واصل الشعراء "معارضة" القصيدة بالنظم على وزنها وقافيتها، بدءاً من رائد مدرسة الإحياء والبعث الشاعر ورئيس الوزراء المصري السابق محمود سامي البارودي في قصيدته "كشف الغُمّة في مدح سيد الأمة" البالغة 447 بيتاً، مروراً بأحمد شوقي في قصيدته الشهيرة "نهج البردة" المكونة من 190 بيتاً والتي تغنت أم كلثوم ببعض أبياتها بألحان رياض السنباطي، ثم الشيخ صالح الجعفري إمام الجامع الأزهر ومؤسس الطريقة الجعفرية في قصيدته "البردة الحَسَنية الحُسينية"، وصولاً إلى الشاعر تميم البرغوثي بقصيدته المكونة من 200 بيت، والأديب خالد الشيباني الذي قدّم أطول معارضة حديثة بعنوان "أنوار البردة" المكونة من أكثر من 500 بيت.
وعلى الصعيد الفني والموسيقي، ظلّت البردة حاضرة في الوجدان المصري والعربي عبر الأمسيات الدينية، كالأمسية التاريخية التي أخرجها كرم مطاوع برعاية وزارة الثقافة على درج مسجد المرسي أبي العباس بالإسكندرية وشارك فيها كبار الفنانين والمنشدين. كما عمل الأستاذ بأكاديمية الفنون المصرية، الموسيقار الدكتور ممدوح الجبالي، عام 2014 على مشروع تلحين كامل أبيات البردة الـ160 في تسجيل استغرق عاماً كاملاً بين القاهرة وإسطنبول وبمدة وصلت لساعة ونصف، شاركت في أدائه المطربة المغربية فدوى المالكي والمنشد والمؤذن المحمدي والتوزيع الموسيقي لحمادة الموجي، إضافة لنسخة مسرحية غنائية قُدمت على مسارح عربية.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
محمد بن سلمان يزور مقر مشيخة الأزهر في الدراسة
اللجنة التنسيقية بين وزارة الشؤون الإسلامية والأزهر تبحثان التصدي للفكر المتطرف
أرسل تعليقك