غزة ـ صفا
يُعيد صاحب محل البقالة ياسين أبو ناجي تثبيت ورقة جديدة بدلاً من تلك الكرتونية المهترئة والمكتوبة بخطٍ صغير حملت لسنواتٍ طويلة عبارة طريفة: "الديْن مسموح كل يوم عدا اليوم".
مؤخرًا، استبدل الحاج أبو ناجي (61 عامًا) والذي يملك محلاً صغيرًا للبقالة في حي النصر بمدينة غزة تلك الورقة المُغبرَة بأخرى مطبوعة إلكترونيًا توحي لقارئها أنها أكثر صرامة بعبارة: "الديْن ممنوع اليوم وكل يوم"
ويقول أبو ناجي لـ"صفا" إنه كان يقدم "خدمةً" لعائلات الحي بافتتاح قوائم ديون بأسمائهم في دفتر خاص، أما اليوم ومع اشتداد أزمة رواتب موظفي غزة فإن دفتر ديون بقالته باتت لـ"جنْي الخسائر فقط".
وتمثل محلات البقالة المنتشرة في الأحياء الفقيرة في قطاع غزة "ملاذًا آمنًا" لآلاف العائلات التي تضْطر لسد احتياجاتها من المواد الاستهلاكية والغذائية طيلة أيام الشهر بالاستدانة، إلا أن أزمة رواتب موظفي غزة دفعت بالكثير من أصحاب تلك البقالات – مُكرهين- لوقف التعامل بالديْن جراء تراكمها على المدينين بعشرات الآلاف من الشواقل للمحل الواحد.
وعلى الرغم من الإعلان عن حكومة التوافق مطلع الشهر الماضي وإنهاء الانقسام بين حركتي "حماس" و"فتح"، إلا أن موظفي غزّة الذين يزيد عددهم عن 40 الف موظف لم يتقاضوا رواتبهم، أسوة بنظرائهم التابعين للحكومة السابقة في الضفة الغربية المحتلة.
ولم يختلف حال رمزي صادق، صاحب متجرٍ صغير للخضار والفاكهة في حي تل الهوى غرب المدينة، حيث علق خلفه لافتةً تقول: "الديْن مسموح لمن تجاوز عمره الثمانين شرط إحضار والده معه" في إشارةٍ منه على استحالة تحقق الشرط.
وقال صادق (34 عامًا) الذي انهمك بتقليب دفتر الديون المكتظ بالأسماء والأرقام والتواريخ لحساب قيمة مديونياته لشهر يونيو الماضي، مؤكدًا أنها تجاوزت الـ 25 ألف شيكل.
وأضاف لوكالة "صفا": "الآن أنا مضطر للتعامل والبيع نقدًا فقط، وإلا فحجم الديْن سيصل إلى 50 ألفًا مع استمرار الأزمة التي دخلت شهرها الثاني، فأنا أستمع لأخبار رواتبهم أكثر من أصحاب الأزمة أنفسهم".
أما الموظف الحكومي محمد الزعيم فعبر عن غضبه من وقف الدين "صراحةً" من قبل بعض أصحاب المتاجر، قائلاً: "إن الجميع يعيش في أزمة حقيقية تستوجب التكاتف سويًا حتى نخرج منها".
وأشار الزعيم (33 عامًا) والذي يتقاضى راتبًا قدره 1500 شيكل إلى أن عائلته تعتمد بشكلٍ أساسيٍ على البقالة المجاورة لمنزلهم، فيُسدد ما عليه من ديْن متراكم يوم صرف الرواتب، إلا أنه اعترف بعدم سداد أيٍ من تلك الديون المتراكمة عليه للشهر الثالث على التوالي.
أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر معين رجب قال إن البيع بالديْن يمثل صورة من صور التيسير على المدينين باعتباره يوفر لهم ما يحتاجون، فإذا شعر أحد طرفي الديْن أن حقوقه غير مستردة لأجلٍ طويل فإنه ينسحب خوفًا من مضاعفة الخسائر.
وأضاف رجب لوكالة "صفا" أن تراكم الديون يمثل مشكلة اقتصادية لأصحاب المتاجر كونهم هم أيضًا مرتبطون ماليًا بالموزع أو التاجر الرئيسي، ويُشكل إيقاف السداد تباطُؤًا لعجلة الاقتصاد المحلي وتوقفها على المدى المتوسط.
ودعا ميسوري الحال لضرورة إخراج زكاة أموالهم في موعدها وإدراج "الموظف" ضمن المستحقين للزكاة كونه تحت بند "المسكين" باعتبار أن مُرتبه لا يكفي لإعالة أسرته".
أرسل تعليقك