زرت أسطنبول مؤخرًا، وسألت كثيرا من المصريين الذين التقيتهم عن قبر عبدالله النديم لأزوره، فلم أجد بينهم اتفاقًا على مكانه، فعدت إلى مسكنى غاية فى الحزن على نسيان رجل عظيم، ووجدتنى أكتب هذه القصيدة:
أوجعتك قرى فى هروبك الطويل
أضناك ليل فى معانقة المستحيل
أكنت تظن أن الأيام حبلى بالبشارة؟
وأن الثوار يتناسلون كالرياح
صامدين كالجبال
قاطعين كالعبارة
يدقون الهواء
بقبضاتهم الفتية
لتظل راية القضية
تعانق السماء
ويأتى الصباح
بقيت أنت طائرًا على أجنحة الهيام
هم ذابوا فى حوارى غارقة فى الظلام
وتركوا الشوك والنار فى انتظارك
أينما حللت
مسربلًا بالخوف والتحدي
تطلق فى آذان الناس
عبارة ساخرة
جسارة هادرة
والقرى مستكينة لا تعطيك
سوى مكان للاختباء
فى ساعات الرجاء
والحفاة المنثورون بين الزروع
المنذورون لأيام جوع
يرفعون أكفهم للسماء
يطيلون الدعاء
أن تعود كما كنت
تطلق الكلام فى عروق الجنود
فيهجمون إلى الأمام
ويفتحون فوق الغمام
أفقًا للكرامة والبراح
لكن البارود المنهمر
كان بابًا للموت والجراح
أقوى من الحروف المشتعلة فى الدماء
أنشودة تغنى باسم الوطن
أيها المكسور
خلف التل
أيها المأسور
بين الكل
أكنت تظن أن الحروف رصاص
نصالًا تجز رقاب العدو
وأن الفضاء المسكون بنار المدافع
صفحات لسطورك السخية
وأنفاسك الرخية
يا ابن الفرَّان
ألم يعلمك يومًا أن الخبز ابن الجحيم
وأن السواعد الممدودة إلى الوقود
لن تعود
إلا بما يملأ البطون
وأن الرغيف
للجائعين
والرصيف
للتائهين
وأن الأوطان لمن يسرقونها
أمَّا الذين ينزفون دمهم فوق دروبها
يُطاردون حتى الرمق الأخير
يُدفنون إن ماتوا فى بلاد الناس
وينتظرون الحظ ودموع المخلصين
لتصير حبرًا ينادى
سطور تاريخ عجول
كى يقول:
كانوا هنا يدبون فى شوارع بلادهم
يملأ رؤوسهم وهم بأن السعادة تطول
وأن الفُرقة
حُرقة
وأن بين الناس من يرون الاغتراب
والاحتراب
صنفًا واحدًا من عيش سقيم
وأنهم إن دخلوه
بوسوسة من شيطان رجيم
فهذا لم يكن عن رضى
إنما استسلام لجريان الزمن
لسيوف المحن
والفوت
قبل الموت
يأتى كلمح البصر
لم يدخلوه راضين
فيا من تنطقونه من طرف ألسنتكم
تعالوا هنا لتعلموا أنه ساكن الحشا
ومن وشى
بالنديم لم يكن خائنًا
كان طامعًا صغيرًا
حقيرًا
مثل الذين لا يدركون سوى العابرات
وتبقى للكسور جابرات
الغفران
النسيان
الذى يجعل العيون تنام
فى بعض الأحيان
عن التى خانت
عن الذى خان
لا يهتم هؤلاء بالخلود
إنما بعصفور واحد فى اليد
لا يفكرون فى الحمام الراقد فى الخنان
وأن من الجنان
النظر إلى ما لا ليد لمسه
وما لآذان سماع همسه
ولا يعلو صوت فى حضرته
إلا العدد
مدد
يا سيدى الغريب
مدد
والغريب نديمنا
ومدده ذكريات
وإحياؤه من الممات
سيرة لا تضيع
الغريب أنت يا نديم
فى بلاد نست رسالتك
ولا تراك الزعيم
القدر المقيم
فى أجيال لا تعرف لغتك
لا تسمع هتافك
وأنينك
الذى يأكله البحر
فلا يصل إلى بلاد النيل
ولا يحط فوق يابسة
تبلعه صحراء بين الأستانة والقاهرة
والظاهرة
التى يدونها مؤرخون متعبون
وهم يتثاءبون على أفاريز الأيام
أن من سمع نداءك الأخير
قال عنه بملء فيه
إنه لم يكن صراخًا
إنما تأوهات خافتة
واللافتة
كان تكفيه
فهى الوطن القائم خلف البحر والمفازات
وكل المجازات
لا تقدر على صنع شبيه له
فلا غربة تغنى عن وطن
ولا حضن يزيح الاغتراب
والاحتراب
تاريخ من ألم
قام يا نديم هنا بعد الهزيمة
قام فى نفوس سقيمة
أعياها انتظار النصر الأخير
وفى أيام يسكنها الخوف والملل
لم تستطع إلا صب اللعنة على المساومة
العتب على قادة المقاومة
وربما الهجاء
هكذا يكون ما بعد الانكسار
وقبل الرجاء
فليس كل من يهنفون أولياء للكفاح
والجراح
دم يهرب كثيرون منه
إلا من أدركوا أن الدم
لا لون له
لا طعم له
إن أريق فى سبيل الحرية
لكن له رائحة زكية
لا يبددها الزمن
أيها الهارب فى دروب المحن
اترك القرى خلف ظهرك
حاملًا إياها فى عينيك
حتى تفتح شوارعها المنسية
حاراتها الخلفية
على أوردة المدن
والميادين السخية
المروية
بعرق الثائرين
والكادحين
الذين حملت رايتهم وحيدًا
تغالب العسس
والهوس
بحب البلاد
والعباد
وأنت تروض الشجاعة
حتى لا توردك المهالك
والممالك
تنتظر خبر سكونك
وجنونك
الذى هيأ لك أن هاربًا يعيد الكرَّة
والمرَّة
القادمة ستكون القاصمة
والعاصمة
من الوقوع فى فك الهزائم
ومن تحت ركام
زمن بليد
ومن بين حطام
عظام
أوجعتها الكروب
ضيعتها الدروب
أهلكتها الحروب
يولد فجر جديد
ليبقى قبرك هنا بين الشواهد
سواعد
تصد عنك ريح الفناء
أيد تحفر بين المقابر
نهرًا من حنين
يفيض من عين المهاجر
والمسافر
ليرسم خطًا فى المدى
يصل الأرض بالسماء
ويغلب الردى
ويرفع لك فى بلاد بعيدة
راية البقاء.