بقلم - فاروق جويدة
هناك أشياء لا تباع، وأشياء أخرى يمكن أن نفرط فيها، والظروف والأقدار هى التى تحدد المواقف. كان لى صديق يملك عن والده عمارة ضخمة فى قلب القاهرة، وكان مستورا ماديا، وكان يلح عليه خاطر أن يبيع العمارة ويستثمر ثمنها فى أى مجال آخر. بخل صديقى على إخوته بحقهم فى الميراث، واختفى صديقى، وكنت دائما أنصحه بألا يبيع العمارة. كنت أسأل عن أخباره، ولم أعرف عنه شيئا غير أنه يسافر كثيرا إلى الخارج، وأنه تزوج زوجة ثانية واشترى لها شقة فى باريس ويقيم معها. لم أحاول أن أعرف الكثير عن صديقى، رغم أننى كنت أفتقده كثيرا. مررت يوما من أمام العمارة، ووجدت الأوناش تهدم جدرانها، وعرفت أن صديقى باعها، وسوف يقام برج ضخم على أنقاضها. حزنت كثيرا على العمارة، وكانت لى ذكريات كثيرة معها. فجأة جاءنا تليفون من باريس، أن صديقى مات ويرقد فى أحد مستشفيات باريس، ولا يرافقه أحد، وأن زوجته تركته وحيدا، ولم تدفع نفقات المستشفى. فكرت كثيرا فى موقف صديقى، ومن يتحمل نفقات علاجه وعودته إلى مصر. كان حزنى الأكبر على العمارة التى بيعت فى ظروف غامضة، ورحلة صديقى الذى حرم أشقاءه من حقهم فى الميراث، وزوجته الثانية التى تركته يموت وحيدا. بكيت كثيرا على العمارة.
فى الحياة دروس كثيرة، ليتنا نتعلم منها: أن البيع ليس حلا، وأن الحقوق واجبة، وأن الإنسان ينبغى ألا يضع ثقته فى كل شيء.
لقد أخطأ صديقى حين باع العمارة، وأخطأ أكثر حين حرم أشقاءه من حقهم فى الميراث، ثم كانت جريمته حين تخيل أنه يمكن أن يعيش لنفسه، وخسر الجميع.
من جاء سهلا يباع سهلا ومن فرط فى الغالى رضى بالرخيص..