بقلم - سليمان جودة
القصة تكررت بطريقة تدعوك إلى التفكير فيها، ومعناها أن المشهد القائم أمامنا فى المنطقة ليس هو كل شىء، وأن وراءه أشياء غير ظاهرة لنا فيما نراه.
فقبل ساعات كان التحالف العسكرى بقيادة السعودية قد أعلن اعتراض صاروخ كروز فى محيط المدينة المنورة، والطبيعى أن أول ما يأتى على البال عند سماع خبر كهذا، أن جماعة الحوثى فى اليمن لا غيرها هى التى تقف وراء الصاروخ.
ولكن متحدث الجماعة سرعان ما خرج يقول إن جماعته لم تنفذ أى عمليات تجاه المدينة فى اليوم الذى جرى فيه إعلان خبر اعتراض الصاروخ!.. فمَنْ إذنْ أطلقه؟.. إننى أصدق المتحدث باسم التحالف العسكرى الذى تقوده السعودية فيما أعلنه بخصوص الصاروخ، وفى الوقت نفسه أشعر بأن متحدث الجماعة الحوثية لم يكذب فيما أعلنه، ليس لأنى أصدقه فيما يقوله عموماً، ولكن لأنه فى مرات سابقة كثيرة لم يكن يخفى استهداف أرض المملكة من جانبه، ولا يوجد شىء يمنعه من الاعتراف بأنه هو فعلاً الذى أطلق الصاروخ.
هذه واحدة.. والثانية أنه فى مرحلة ما بعد إطلاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كانت حكومة المرشد فى طهران تستهدف دول الخليج، وكانت تعلن ذلك ولا تخفيه، ولكنها فى مرات كانت تقول إن ما أصاب الخليج اليوم.. أى فى يوم حديثها.. ليس من صنع يدها، وأنها لم تستهدف الخليج بشىء فى هذا اليوم!.. هنا نجد أنفسنا أمام استهدافين: واحد للسعودية فى حالة الحوثى مرة، وآخر للخليج عموماً فى حالة إيران، ونجد أن الطرفين المتهمين يسارعان بالإعلان عن أن ما جرى لا علاقة لهما به!
فَمَنْ إذن؟.. إجابة السؤال أننا أمام طرف ثالث يوظف الحرب فى الحالتين لصالحه، ويستهدف السعودية أو الخليج، وهو واثق من أن الاتهام سوف يتوجه مباشرةً إلى إيران فى حالة حرب الخليج، أو إلى الحوثى فى حالة الحرب بينه وبين السعودية، لا إليه هو باعتبار أنه يتخفى فيما يجرى ويستغله ولا يظهر!
هذا الطرف الثالث جاهز دائماً للقيام بكل الأعمال القذرة، ومُطمئِن فى الوقت نفسه، إلى أن التهمة سوف تتعلق فى رقبة غير رقبته!
وعندما أقول إن الطرف الثالث ليس سوى إسرائيل، أو إسرائيل والولايات المتحدة معاً، وأنهما تقومان بما تقومان به فى هذا الاتجاه لإثارة المزيد من الفتن فى المنطقة، فما أقوله تسنده دلائل نتابعها أمام أعينا، وليس تعلقاً بمنطق المؤامرة الذى يراها بعضنا حلاً سهلاً لتفسير ما قد نجده فى حياننا ولا نفهمه.. إسرائيل قامت على ذلك، ولا تريد أن تتخلى عنه لأنه جزء من طبيعتها، فهى تتنفس به وتعيش عليه، ولا شىء مطلوب منا سوى أن نحاول فهم ما يدور حولنا، وألا نتسرع فى إطلاق الأحكام النهائية عليه.