الْمُثَقِّبُ الْعَبْدِيُّ أوَّلُ رَافِضٍ لأَنْصَافِ الحُلُول

الْمُثَقِّبُ الْعَبْدِيُّ أوَّلُ رَافِضٍ لأَنْصَافِ الحُلُول

الْمُثَقِّبُ الْعَبْدِيُّ أوَّلُ رَافِضٍ لأَنْصَافِ الحُلُول

 عمان اليوم -

الْمُثَقِّبُ الْعَبْدِيُّ أوَّلُ رَافِضٍ لأَنْصَافِ الحُلُول

تركي الدخيل
بقلم - تركي الدخيل

الْمُثَقِّبُ الْعَبْدِيُّ، شَاعِرٌ جَاهِليٌّ قديمٌ، لَهُ مَعَانٍ في شِعْرِهِ، أَخذَهَا عَنْهُ الشُّعَرَاءُ مِنْ بَعْدِهِ، لَكِنَّ مِنْ أَبْرَزِ مَا يَلْفِتُكَ فِيهِ، أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ أوَّلَ مَنْ قَرَّرَ رَفْضَ أَنْصَافَ الحُلُولِ، رَفْضًا قَاطِعًا، لَا نِقَاشَ فِيهِ، وَلَا مِرَاءَ، وَلَا جِدَال...

يَقُولُ، مُتَحَدِّثًا عَنْ صَاحِبِهِ، وَرُوِيَ أَنَّهَا صَاحِبَتُهُ، وَلَا فَرْق:

يُوَاعِدُنِي مَوَاعِدَ كَاذِبَاتٍ تَمُرُّ بِهَا رِيَاحُ الصَّيْفِ دُونِي

فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَخِي بِحَقٍّ فَأَعْرِفُ مِنْك غَثِّي مِنْ سَمِينِي

وَإِلَّا فَاطَّرِحْنِي وَاِتَّخِذْنِي عَدُوًّا أَتَّقِيكَ وَتَتَّقِينِي

فَإِنِّي لَوْ تُخَالِفُنِي شِمَالِي خِلَافَكَ مَا وَصَلْتُ بِهَا يَمِينِي

إذًا لَقَطَعْتُهَا وَلَقُلْتُ بِينِي كَذَلِكَ أَجْتَوِي مَنْ يَجْتَوِينِي

يَبدأُ البيتَ الأوَّلَ وَكأنَّهُ يَقولُ: مَنْ يَكْذِبْ فِي مَوَاعِدِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا أنْ أُخَاطِبَهُ بِالأبيَاتِ التَّالية.

فِي البيتِ الثَّاني، يعلن بمنتهى الصَّراحةِ لصَاحبِه، أنَّه لا بدَّ أن يختارَ واحدًا من اثنين، إمَّا أنْ تصدقَ في أُخوَّتِي، فتكون واضحًا في قراراتِك، بعيدًا عن المواربة في مواقفِك، صَريحًا في آرائك، بما يجعلُني أحدّدُ عبرَ وضوحِك هذا؛ أينَ أنتَ منِّي؟ وأينَ أنَا منكَ؟ بمَا ييسِّرُ عليَّ أمرَ تصنيفِك؛ أمعِي أمْ ضِدِّي؟

غَثِّي: غثُّ اللَّحم: المَهزُول. السَّمين: ضِدُّ الغَث.

وَفِي البَيتِ الثَّالثِ، يُحدّدُ الخيارَ الثَّانيَ لمنْ يُخاطِبُه، وَلَمْ نَقلْ: صَاحبه، لأنَّه بهذا الخيار، يختارُ ضد الصُّحبة، يقولُ له:

خيارك الثَّاني:

اطَّرِحنِي: فعلُ أمرٍ بالطَّرحِ جانبًا، واليَاء للمُتكلّم والنُّونُ للوقَاية، تعبيرًا عن التَّخلِي عن الصَّداقةِ والصحبةِ والأُخوَّة، وَألحقَ ذلكَ بطلبِه منهُ أن يواصلَ السَّيرَ في هذَا الطَّريقِ، بأمرِه أن يتَّخذَ الشَّاعرُ عدوًّا، وَمقتضَى العَدَاوَةِ، أن: أتَّقيكَ وتتَّقِينِي.

التَّقوَى: أن تجعلَ بينكَ وبينَ مَنْ تتَّقيهِ حِجابًا. فهوَ يَقصدُ أنَّهمَا إذَا اتَّخذَ كُلُّ وَاحدٍ مِنهمَا الآخرَ عَدوًّا، فَسَيحذَرُ منه، وَيتَوقَّى غدرَهُ، وضرَّه.

فِي البَيتِ الرَّابعِ، يذهبُ الشَّاعرُ، إلَى تأكيدِ منهجِه في رفضِ أَنْصَافِ الحُلُولِ، وَبيَانِ طَريقتِهِ الحَاسِمةِ في التَّعامُلِ مَعَ هذهِ الأنْصَافِ، فَيقولُ: لَا تَظُنَّنَ أنِّي أمَارسُ مَعكَ مَنهجًا أخصُّكَ بِهِ دونَ غَيرِك...

فِي البَيتِ الخَامِسِ، قَالَ لَهُ: فإنِّي لَوْ خَالَفَتْنِي يَدِي اليُسْرَى مثلَ خِلَافِكَ، لَمَا جَعَلْتُهَا تَبقَى امتداداً لِيَدِيَ اليُمْنَى، وسيكونُ جزاءَ مخالفتِهَا لِي أنْ أقْطَعَهَا، وَلَوْ كَانَتْ غَاليةً عِنْدِي، عَزِيزَةً عَلَيَّ، وَهَكَذَا (أجتَوي): أيْ أَكْرَهُ مَنْ يَكْرَهُنِي. هَذَا هُوَ مَنْهجِي فِي التَّعاملِ مَعَ الصَّدِيقِ وَالعَدُوّ، مَعَ المُحِبِّ وَمَعَ المُبْغِضِ، بِصَرَاحَةٍ وَصدقٍ وَوُضوحٍ، وَبِلَا رُتُوشٍ، وَلَا تَزْوِيقٍ، وَلَا تَزْوِيرٍ، فَانْظرْ مَاذَا تَرَى؟ وَأينَ تضعُ نفسَكَ بين هذهِ الخياراتِ المتباينةِ والمتضادَّةِ بِجلاءٍ لَا تَشُوبُهُ غِشاوةٌ أبدًا!

قالَ بعضُهمْ بأنَّ المُثقَّبَ أخذَ أبيَاتَهُ مِنْ قَولِ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ:

فَلَو كَفِّي اليَمِيْنُ بَغَتْكَ خَوْنَا لأفْرَدْتُ اليَمِيْنَ عَنِ الشِّمَالِ

والتحقيقُ الذي اختارَهُ الشَّيخُ أحمد محمد شاكر، والدكتور عبدُ السلام هارون، رفضَ هذه الدَّعوى، الَّتِي ينقضُها التَّتابعُ الزمنيُّ، فَالمثقَّبُ أقدمُ منَ النَّابغة، ولَا يمكنُ للمُتقدِّم أنْ يأخذَ من المتأخر!

لكنَّ بيتَ النَّابِغَةَ، أخَذَهُ عَمْرُو بن قَمِيْئةَ، وفقًا لمحمد بن أيدمر، في (الدر الفريد وبيت القصيد)، فَقَالَ ابنُ قَمِيئَةَ:

فَإنِّي لو تُطَالِبُنِي يَمِيْني خِلافَكَ مَا وَصَلْتُ بها شِمَالا

وأخَذَه الآخَرُ فَقَالَ:

وَاللَّهِ لو كَرِهَتْ كَفِّي مُصَاحِبَتِي

لَقُلْتُ لِلكَفِّ بِيْنِي إِنْ كَرِهْتِيْني

ثُمَّ الْتَفَتُّ إِلَى الأُخْرَى فَقُلْتُ لَهَا

إِنْ تَقْنَعِيْنَ وَإلَّا مِثْلهَا بِيْني

وَقَال ابنُ الحَجَّاج:

فَلَو إِنَّ كَفِّي غَيْرُ طَائعَتِي لَقَطَعْتُهَا بِالفَأسِ مِنْ زِندِي

وَفِي المَثل:

«لَوْ بَغَضَتْنِي يَدِي قَطَعْتُها»، وَيُروَى: «لَوْ كَرِهَتْنِي يَدِى مَا صَحِبَتْنِي»، ويُضْرَبُ في مَنْ يَزْهَدُ بأخِيهِ، وَيُقَالُ لَهُ إذَا زَهَدَ فِيه.

وَهْوَ مَأخُوذٌ مِنْ أَبْيَاتِ المُثَقَّبِ العَبْدِيّ، الرَّافِضَةِ أَنْصَافَ الحُلُول!

omantoday

GMT 13:09 2026 السبت ,29 آب / أغسطس

ما الذي أبكى صاحب السعادة؟

GMT 13:07 2026 السبت ,29 آب / أغسطس

أميركا وإيران... الممكن المتحرّك

GMT 13:06 2026 السبت ,29 آب / أغسطس

حرائق الجزائر وفرنسا... شهوة الإشعال

GMT 13:04 2026 السبت ,29 آب / أغسطس

التجريد من السلاح ووقف العدوان

GMT 13:03 2026 السبت ,29 آب / أغسطس

النظر بعين واحدة

GMT 13:02 2026 السبت ,29 آب / أغسطس

أوان شرطي مرور لفضاء الأرض

GMT 13:00 2026 السبت ,29 آب / أغسطس

الهجرة وحرب الروايات

GMT 12:59 2026 السبت ,29 آب / أغسطس

بدل تلاوة فعل ندامة على “اليونيفيل”…

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الْمُثَقِّبُ الْعَبْدِيُّ أوَّلُ رَافِضٍ لأَنْصَافِ الحُلُول الْمُثَقِّبُ الْعَبْدِيُّ أوَّلُ رَافِضٍ لأَنْصَافِ الحُلُول



هيفاء وهبي والنجمات يتنافسن بجمبسوت طبعة الزيبرا

بيروت - عُمان اليوم

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon