بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي
أتقن كثيرٌ من المثقفين السعوديين والعرب الجدالات الأدبية والفكرية والثقافية المتعلقة بالأدب، شعراً ونثراً، قصةً وروايةً، تفهّماً ونقداً، ولكن عدداً منهم إما كان يعبّر عن مدارس نقديةٍ غربيةٍ يترجمها، ويتطوّر بتطورها ويتراجع بتراجعها، ولذا فهو دائم التغير ذات الشمال وذات اليمين بحسب المراحل، وإما هو منحازٌ منذ البداية لمدرسةٍ بعينها، هي مدرسةٌ تتبنى آخر النسخ من خطابات التدين الجديد الذي نشأ وانتشر في القرنين الأخيرين من تاريخ الإسلام.
مرّ القرنان الأخيران من تاريخ البشرية والمنطقة بآيديولوجيات كبرى وصراعاتٍ عظمى، وعلت فيه الجدالات الفكرية الكلية وارتفعت قيمة التخصصات الجزئية وجدالاتها، فالرأسمالية والشيوعية أنتجتا أفكاراً جزئيةً على مستوى العالم، وبالتفاعل مع ثقافاته وأفكاره، وكان من الطبيعي أن تخرج منتجاتٌ فكريةٌ فرعيةٌ تثير جدلاً مستحقاً في كل منطقةٍ من مناطق العالم.
ثار في الغرب جدل «الحداثة» وجدل «التحيز»، والأخير تمّ طرحه في علم النفس أولاً، وقد نقل الجدل تجاه المفهومين عربياً، ونقلا كما طرحهما الغربيون والمتأثرون بهم أدبياً وثقافياً، وقد انتقل كل ذلك الجدل بحمولته الأدبية والثقافية إلى بلداننا باعتباره منتهى إقدام العقول، وشواهد هذا الجدل أكثر من أن تحصى كثرةً، ثم افترق الرفاق، ففي حين تقلّب بعضهم ذات اليمين وذات الشمال، ثبت بعضهم على رؤيةٍ واحدةٍ انتقل منها للانتفاع المعرفي الشخصي بحيث يكون قادراً على أن يشغب على كل مشروعٍ معرفي أو تطورٍ أكاديميٍ أو منتجاتٍ فكريةٍ معينةٍ.
ومن «التحيز» الغربي تمّ نقل المفهوم عربياً من أجل البرهنة على التحيز المعرفي الغربي ضد العرب وغير الغربيين عموماً، وقد افتقد المشهد لعالمٍ سعوديٍ كبيرٍ، وأنثروبولوجي مخلصٍ لوطنه ولعلمه، فكانت السعودية على موعدٍ من سعد الصويان، هذا العلَّامة الذي حفر بيديه في صخور الثقافة الشعبية والتقليدية والعادات والتقاليد، ورحل وارتحل بين المدن والقرى والبوادي جامعاً واعياً ومؤرخاً عالماً وموثقاً لا يشق له غبار، ولمن شاء أن يطلع على شيء من جهده هذا فعليه مراجعة موقعه الإلكتروني واختيار «الصوتيات» ليجد منهلاً عذباً مرتّ عليه عقودٌ من الزمن.
تناقل كثيرٌ من العرب فكرة أن الدول العربية لا تكرّم إلا الموتى، ولكنهم نسوا أن الدول الخليجية تكرّم أحياءها، فقد طبعوا بطباع أصيلة تقدر الوفاء، وليقرأ من شاء سلسلة الجوائز الخليجية في كل بلدٍ، وأخص منها السعودية ليجد قوائم متصلة من تكريم الأحياء والإقرار بمنجزاتهم، وقد كرّم وزير الثقافة السعودي الأمير بدر الفرحان عالمنا الأنثروبولوجي الكبير سعد الصويان في حياته في عام 2024 وسلمه له الوزير بنفسه في منزل المكرّم أطال الله في عمره.
كل إصدارات الدكتور سعد الصويان تستحق الاقتناء والاستفادة فهو من الروّاد الكبار، وهو أهم علماء المملكة العربية السعودية وعلماء العرب في علم الأنثروبولوجيا أو «علم الإنسان»، مثله مثل رواد آخرين كالشيخ حمد الجاسر في الجغرافيا والتاريخ وغيرهما، فهو كتب عن «الشعر النبطي»، وكتب عن «الصحراء العربية: ثقافتها وشعرها عبر العصور، قراءة أنثروبولوجية»، وهو من أعظم كتبه، وكتب كتابه الأنثروبولوجي العظيم والكبير جداً «ملحمة التطور البشري» الذي أبان فيه عن تمكنه المطلق من علم الأنثروبولوجيا.
مرحلة من عمر هذا العالم الكبير تجلت في الموسوعة العظيمة «الملك عبد العزيز آل سعود، سيرته وفترة حكمه في الوثائق الأجنبية» ضمن منشورات «دار الدائرة» والصادرة في عام 1999 وبتمويلٍ ورعايةٍ كاملةٍ من الأمير سلطان بن عبد العزيز (رحمه الله).
ومن يتمعن في مقدمة الموسوعة ويتابع التفاصيل المنهجية التي شرحها سعد الصويان يعلم أنه بنى منهجاً علمياً محكماً حتى في أدق التفاصيل، وأدار كافة اللجان في الموسوعة بإحكامٍ واقتدارٍ.
من حسن حظ كاتب هذه السطور أنه التقى الدكتور سعد الصويان مراراً وتكراراً مع الأستاذ الصديق مشاري الذايدي، وقد كانت لقاءاتٍ مليئةً بالعلم والتوهج والإبداع، ولئن جاءت بعد مرضه - شفاه الله - فقد كان ثابت الجنان مستقر الفكر، شديد التواضع كما يليق بعالمٍ حقيقيٍ وقف عمره كله على العلم والمعرفة ولم يجعلهما سبيلاً لشهرةٍ أو طريقاً لغنىً.
أخيراً، فالإشادة بأهل العلم وخاصته من الناس أمرٌ جبلت عليه النفوس الكريمة، وهو سبيل لاقتداء الأجيال بالرموز المبرزة التي أفنت حياتها خدمةً للعلم والوطن ولم تدّخر جهداً في هذا المجال.