بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي
«اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان هي أهم وأقوى الأحداث في منطقة الشرق الأوسط منذ عقودٍ، وهي تشكّل استجابةً لمتطلبات المتغيرات الكبرى في المنطقة في السنوات الأخيرة، بحيث أصبح اليوم للاستقرار السياسي في المنطقة قوةٌ رادعةٌ تحميه من أي مغامراتٍ غير محسوبة العواقب من أي طرفٍ في المنطقة، كائناً من كان.
اتفاقيات الدفاع المشترك بطبيعتها لا تكون موجهةً ضد خصمٍ بذاته أو دولةٍ بعينها، بل هي اتفاقية للدفاع أولاً، وهو حق مشروعٌ لكل دولةٍ في الشرائع السماوية والقوانين الدولية، ولكنها تعني وضع خطوطٍ حمراء من القوة الخشنة المسلحة أمام كل من يخطر له العبث باستقرار المنطقة، أو الرهان على نشر الفوضى فيها تحت أي شعارٍ، أو باسم أي آيديولوجيا.
اسم الاتفاقية بذاته يحمل ثقل المشروعية السياسية وقوة التمثيل الهائلة؛ فمكة تختزل قوة التاريخ وكثافة المعنى ورسوخ المبادئ؛ فهي منطلق الإسلام وقِبلة المسلمين، ولا يمكن لأي أحدٍ أن يدّعي تمثيلاً للإسلام ورمزيةً له مثلما تمثل مكة المكرمة.
الصفيح الساخن في الشرق الأوسط يوشك على الغليان، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؛ سقط «محور المقاومة» وهو لم يقر بالسقوط، وتباعدت سياسات واستراتيجيات الدول العربية، وتأكدت إسرائيل من قوتها وتأثيرها وحلفها الاستراتيجي مع أميركا.
برز في الأيام الأخيرة توجهان متناقضان في المنطقة؛ التوجه الأول هو توجهٌ لحشد الميليشيات المسلحة ضد السعودية بتنسيق كاملٍ عبّر عن سعيٍ مستميتٍ لنقل الحرب الدائرة في المنطقة إلى أبعادٍ جديدةٍ، وقد اتخذت السعودية موقفاً علنياً ضد مثل هذا التنسيق المعادي، وأكثر من هذا اتخذت خطواتٍ دفاعيةً معروفةً. أما التوجه الثاني فهو توجهٌ لبناء «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، متمثلاً في ثلاثٍ من أقوى الدول في المنطقة سياسياً وعسكرياً وبشرياً، وشتان ما بين التوجهين بكل الاعتبارات، وهو ما يوضح تناقض الرؤى والاستراتيجيات لدى دول المنطقة.
إيران التي خسرت كثيراً في حربها مع أميركا تسعى متلهفةً للتفاوض مع أميركا، وهي على الرغم من التقلبات السياسية التي اشتهرت بها، فإنَّها تقدم تنازلات متكررة لأميركا، ولكنها في الوقت نفسه سعت بكل ما تملك لاستعداء جيرانها، لا في باكستان وأفغانستان شرقاً، ولا في آسيا الوسطى شمالاً، بل تحديداً في الغرب، حيث الدول العربية من العراق وسوريا والأردن ولبنان إلى دول الخليج العربية وصولاً إلى اليمن، فبعد الصواريخ الباليستية والمسيّرات التي أمطرت بها دول الخليج إبان الحرب، فإن استراتيجيتها اختلفت بعد مرور الوقت وتجلت في توجهين رئيسيين: الأول، التفاوض مع أميركا وتقديم التنازلات والتراجع عنها والسعي لإيقاف الحرب معها أو تخفيفها. والثاني، تحريك كل وكلائها في الدول العربية بكافة أشكالهم وتجلياتهم؛ ميليشيات وتنظيمات إرهابية وخلايا، والتنسيق بينها جميعاً لإحداث أبلغ الأضرار تحت إدارة «الحرس الثوري»، فيما يشبه التمهيد لخططٍ أكبر ربما بدا بعضها انتحارياً، والمؤدلجون أقنعوا العالم أنهم قادرون على اجتراح أبشع الجرائم والإقدام على أغرب المغامرات.
نشرت هذه الصحيفة يوم الخميس الماضي تأكيد اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية، أن إعلان «التحالف البحري الدفاعي» متعدد الجنسيات يعكس إدراكاً دولياً مشتركاً لحجم التهديدات التي تواجه الأمن البحري وحرية الملاحة، ويجسد مسؤولية جماعية لحماية الممرات البحرية والمصالح الاقتصادية العالمية.
ولفت المالكي إلى أن السعودية، من خلال خبراتها في «تحالف دعم الشرعية» باليمن، حققت إنجازات كبيرة في القضاء على التهديدات البحرية، شملت التصدي للطائرات المسيّرة، والقوارب السريعة، والألغام البحرية.
المعضلة المستمرة منذ عقودٍ هي أن أميركا والدول الغربية لا تمتلك أي استراتيجية ثابتةٍ وغاياتٍ واضحةٍ تجاه التعامل مع إيران، وأولوياتها مختلفةٌ دائماً عن أولويات دول الخليج العربية، ودول المنطقة، وهو ما أظهر بوضوحٍ صدق الرؤى ونجاح الأفكار التي سعت لبناء تحالفاتٍ عسكريةٍ قويةٍ في المنطقة، مثل «التحالف العربي لدعم الشرعية» في اليمن، و«التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب»، و«التحالف البحري الدفاعي»، و«اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، وما أكثر الدول الإقليمية والدولية التي ستنضم لمثل هذا الخط الواضح في بناء قوةٍ إقليميةٍ رادعةٍ تحمي الاستقرار، وتمنع المغامرات، وترفض الفوضى.
أخيراً، فهذه الاتفاقية مع ما سبقها من تحركات وتحالفات واتفاقيات توضح بما لا يدع مجالاً للشك أن قيادات المنطقة واعيةٌ بخطورة الأحداث غير المسبوقة، ورفضها لأي اختلالاتٍ في موازين القوة في منطقتنا، هو ما سيخلق ثقلاً جديداً وحقيقياً ومؤثراً في كل موازين القوى الإقليمية والدولية.