بقلم - مشاري الذايدي
عن 72 عاماً غادر دُنيانا المُصّور المُبدع، البرازيلي هومبرتو دا سيلفيرا، وصُلّي عليه في مسجد العُذيبة بالدرعية، بمشاركة الأمير سلطان بن سلمان، مُؤسّس ورئيس مؤسسة التراث... فالرجل كان قد أسلم قبل ذلك بوقت طويل.
هذا المُبدع ذرَع العالمَ بكاميرته، وعينه الخبيرة، ثم استقرّ في السعودية، وعمل برؤيته لصنع مشاريع فوتوغرافية توثيقية عن نجد... وعن حياة البدو قبل أن ينقرض هذا النمَط، من أساليب الحياة.
الصديق عادل القريشي من أهمّ المُبدعين السعوديين في هذا المجال، له كتاب رائع عن أغوات الحرم المدني برعاية الأمير فيصل بن سلمان، وهو تلميذ الراحل هومبرتو، قال عنه لـ«العربية.نت» إنّه «كان شغوفاً بتاريخ الحضارة الإنسانية، قارئاً للتاريخ، وعارفاً بتاريخ الأماكن التي يصورها. والأهم أن شغفه بالتصوير لم تكن غايته إنتاج الصورة الفنية في حدّ ذاتها، بل كان التصوير عنده أداة لخدمة هدف إنساني، وهو حفظ ذاكرة الحضارة والإنسان والمكان».
وذكر لنا عادل أنَّ للراحل مشاريعَ ومجموعات لم ترَ النور بعد، وربما يكون من الوفاء لذكرى الراحل التعجيل بخروج هذه المشاريع.
فنّ التصوير، في زحمة كاميرات الموبايل، ما زال فنّاً يملك سِمته وفرادته، لأنه ليس مجرد التقاط صور من زوايا ما، ونوعية عدسات وإضاءة... إلخ، بل هي «كتابة»، لكن أداتها الكاميرا، وليس الحروف... كتابة شغوفة وخبيرة وعليمة ومهنية.
هناك أرشيف من الصور عن الجزيرة العربية ومنطقة الشرق الأوسط، لم تخرج بعدُ من أكنانها، سواء من المجموعات الشخصية، أو من أراشيف العالم، وقبل فترة وجيزة كُشف النقابُ عن أقدم صورة للملك عبد العزيز من الأرشيف الروسي، وهي أقدم بكثير من أول صورة احترافية التقطها البريطاني شكسبير للملك عبد العزيز، وهو في قِمّة شبابه في الـ36 من عمره، وأذكر تعليقاً قاله لي الصديق عادل القريشي، نقلاً عن الراحل هومبرتو عن هذه الصورة تحديداً، قال: «هذا هو عبد العزيز الذي دخل الرياض واستعاد الدولة، هذا هو بلمعان عينيه وملامحه الصلبة الواثقة الشابّة، هذا هو عبد العزيز الذي صال وجال على ظهور الإبل وصهوات الجياد، هذا هو الذي شاهده فرسان الجزيرة العربية، بهذه الصورة وتلك الملامح».
وبعدُ، أذكر لكم عن خزائن الصور التي ما زال كثيرٌ منها بعيداً عنّا، ومن هذه الخزائن...
«ألبومات يلديز» الفوتوغرافية، وهي واحدة من أضخم وأهمّ المجموعات الأرشيفية المُصورة في العالم، صُنعت في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بين عامي (1876 - 1909م).
فيها: 911 ألبوماً، ونحو 36,500 صورة نادرة لمعالم وشخصيات، كثيرٌ منها عن منطقتنا العربية، ومنها لقطات حيّة لأعمال حفر وبناء وتدشين خط السكة الحديدية والمحطات التابعة لها!
يقول المثل: «يا ما في الجِراب يا حاوي»، ونحن نقول: «يا ما من صورة مأسورة»!