بقلم - مشاري الذايدي
كان من المتوقع بعد إخفاق القيادات المعروفة للحزب الديمقراطي الأميركي في مقاومة الموجة الترمبية اليمينية العالية، أن يخلق ذلك حركة متنامية داخل أحشاء هذا الحزب وهوامشه، لصناعة موجة مضادة في الاتجاه مساوية في القوّة... وهذا ما يحصل الآن في معمعة الانتخابات النصفية الأميركية الحالية.
من أجْلَى صور هذه الموجة اليسارية الثورية، صعود ميلات كيروس الشابة الأميركية المولودة في إثيوبيا عام 1997 وهزيمتها في التصفيات الديمقراطية عن مقعد كولورادو لمنافستها «التقدّمية» دايانا ديغيت التي خدمت في مجلس النواب 30 عاماً؛ لأنها ليست تقدّمية ثورية بما فيه الكفاية... ولأنها ليست من جيل «زد» أيضاً.
ظاهرة المرشحة الثورية كيروس تعبيرٌ عن موجة متطرفة يسارية أميركية مُقبلة... وقد وصفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية هذا الصعود بالخطير، كما رصد الباحث بندر الدوشي بمقالته، والتي ذكر فيها أنه لم يتجرأ سوى 10 نواب فقط من الديمقراطيين على التحذير علناً من مخاطر الانزلاق نحو الماركسية الجديدة. كما لاحظ فرحة المنظمات «الإخوانية» الأميركية بصعود هؤلاء الثوريين اليساريين الجُدد، رغم أن أجندة كثير منهم ثورية ضد قِيم الأسرة نفسها، وهم نسخة أكثر تطرفاً في هذا الميدان حتى من باراك أوباما نفسه... لكنها الانتهازية السياسية المعروفة من «الإخوان»!
هذه الظاهرة المعروفة بـ«تأثير ممداني»، نسبة لعمدة نيويورك الاشتراكي زهير ممداني، كما تنقل رنا أبتر، لم تنحصر بالشاب الأميركي ذي الأصول الهندية، فمعنا الآن هذه الشابّة الأميركية من أصولٍ إثيوبية، وهناك جملة أخرى من الأميركيين «البيور» أيضاً ضمن هذه الهبّة.
وُلدت كيروس، المحامية، في إثيوبيا عام 1997، وقالت كيروس أمام جمهورٍ مُتحمس وسط أصوات أبواق السيارات: «نحن ننتصر من الساحل إلى الساحل. نحن نستعيد حزبنا وبلدنا!».
وتقول كيروس: «هذه حركة، وما زلنا في البداية». مواجهة «دونالد ترمب والأوليغارشية»، وإلغاء إدارة الهجرة والجمارك الأميركية.
نحن أمام مشهد انقلابي كبير، إن وصلت الأمور فيه للنهاية، فسنكون أمام خضّة سياسية عالمية. الرئيس ترمب تجاوز غيره من الجمهوريين المحذرين، وقال عن هؤلاء الثوريين الجُدد: «إنهم يستخدمون مصطلح الاشتراكي الديمقراطي لأنه يبدو لطيفاً جداً، لكن ما نتحدث عنه في الحقيقة هو الشيوعية».
ثم أصدر خلاصته القاطعة: «أعتقد أن هذا هو أكبر تهديد يواجه أمتنا، ربما منذ تأسيسها».
أظنّ بل أجزم أنه من الواجب علينا في العالم العربي دراسة هذه الموجة العالية، وكيف تخلّقت، ومن هم أبطالها، وما هي مؤسساتها، وكيف تتواشج وتتشابك مع عالمنا العربي وقضاياه، وما هو موقف حركات الإسلام السياسي منها، وهل يتخادمون معها عندنا، وما هي آفاق هذه الموجة، وإلى أين ستنتهي، وهل هي مقدمة لشيء أكبر، أم أنها ستقف عند حدود معلومة، وليست سوى ردّة فعل متطرفة ضد الموجة الترمبية، أم أننا أمام عالم جديد غير مألوف؟!
يجب التفكير مليّاً بكل هذه الأسئلة.