بقلم - طارق الشناوي
أطل على ما حدث مؤخرًا من تلاعب فى استخدام الأقوال على حساب الحقيقة كقضية عامة، لأننا جميعاً وبنسبة ما نتعرض لها.
الصمت هو سلاحى الدائم الذى أرد به على تلك الخزعبلات، أؤمن بتلك المقولة «الحق أبلج والباطل لجلج»، الحق ساطع ومضىء بينما الباطل متلعثم، كثيراً ما تموت الكذبة فى لحظات، هذه المرة وجدت أن هناك محاولات مضنية لترويج الباطل.
لديكم مثلاً لقطات مختلقة تم تداولها قبل ساعات وحققت فى ثوانٍ أكثر من 150 ألف مشاهدة، المفروض أنها من عزاء ياسمين ابنة الفنانة القديرة نجلاء فتحى والأستاذ سيف أبو النجا، كل من فى الصورة أمثال صلاح عبد الله ومحمد رياض وأحمد بدير وغيرهم يرتدون ملابس شتوية ثقيلة جداً، صور مأخوذة من سرادق قديم أقيم فى عز البرد، إلا أن النهم دفع البعض للتصديق وهو مغمض العينين.
صار يكفى أن تعلن أى شىء مثير وفاتح للنهم ونحن موقنون أن لا أحد سيفكر مرتين.
تلك هى «سيكلوجية» الأغلبية، من جمهور التواصل الاجتماعى، نادراً ما يُعمل العقل، هدفه المسارعة بالتعليق ليس فقط الساخن بل الأكثر تجاوزاً، حتى يستطيع لفت الانتباه، وتحقيق أكبر عدد من المشاهدة، ولهذا يزداد تطرفاً فى التعليق، كما أنه لا يترك لفظاً خارجاً إلا وقرر أن يضعه فى إطار من البذاءات وليست فقط التجاوزات.
عندما نتحدث مثلاً عن فن أداء التمثيل وهو أكثر فنون الدنيا تعرضاً للتغيير من حقبة زمنية إلى أخرى، يحيلونها إلى مقارنة غنائية، بين عبد الحليم حافظ وتامر حسنى، رغم أن المقارنة غير واردة أصلاً؛ مكانة «العندليب» فى وجدان المصريين لا يقترب منها أحد، ولا يزال بالورقة والقلم ومن خلال الأرقام الرسمية من جمعية المؤلفين والملحنين، يحقق أعلى عائد مالى لمؤلفى وملحنى تلك الأغنيات وبالطبع ورثتهم، عبد الحليم كان يدرك دائماً أن هناك جمهوراً قادماً له إيقاعه المختلف.
عندما تقول مثلاً إن شادية «صوت مصر»، هل يعنى هذا أن شادية أفضل من أم كلثوم؟
لقب «صوت مصر» لم تطلقه الصحافة على شادية، المصريون توجوها بهذا اللقب الأثير، بعد أن غنت عام 1970 «يا حبيبتى يا مصر» كتبها محمد حمزة ولحنها بليغ حمدى، والمطلع «يا حبيبتى يا مصر» ـ اقتنصه حمزة من كلمات شادية.
كانت وستظل أم كلثوم هى «سيدة الغناء العربى»، فلا مجال أبداً لعقد أى مقارنات، بديهى أن سيدة الغناء العربى بالضرورة أيضاً سيدة الغناء المصرى، كما أن شادية لها مساحة خاصة بعد ارتدائها الحجاب وابتعادها، ظلت معتزة بفنها وجمهورها، وعلى سرادق العزاء، لم يسبق اسمها لقب «الحاجة» ولكن «الفنانة»، وتلك الكلمة تعنى أنها غادرت الحياة، وهى موقنة تماماً بشرعية ما قدمته، ولو كان لها رأى آخر، لأوصت به الورثة.
أعلم أن تلك العناوين الصارخة ليست من توابع «السوشيال ميديا» ولكنها من توابع الصحافة الورقية، مثلاً كتب الأستاذ مصطفى أمين فى مطلع الستينيات هذا العنوان «أتحدث إليكم من سرير فاتن حمامة»، لو قرأت ما بعد العنوان، ستجد أن الأستاذ مصطفى أمين كان يجرى فى أحد المستشفيات ـ بباريس على ما أتذكر ـ فحوصات طبية، فقالوا له إن فاتن حمامة كانت قبل أسابيع ترقد على نفس السرير، فقفز إلى ذهنه هذا العنوان.
ملحوظة لا أدافع ولا أبرر أبداً تلك الطريقة فى التقاط العنوان، إلا أن هذا هو ما حدث!!.