بقلم - زاهي حواس
كشف عالم الآثار الإنجليزي هيوارد كارتر عن ست عربات حربية داخل مقبرة الملك توت عنخ أمون. وقد وجدت جميعها مفككة ومحفوظة في موضعين داخل المقبرة؛ الأول: عثر فيه على أربع عربات حربية في الحجرة الأمامية، والثاني: عثر فيه على عربتين في الحجرة المعروفة بحجرة الكنز. وجميع العربات الست معروضة الآن في المتحف المصري الكبير. كان هذا الكشف بمثابة كنز لعلماء المصريات، حيث كان عدد العربات الحربية المكتشفة في مصر قبل عام 1922 -عام الكشف عن مقبرة توت عنخ أمون - لا يتعدى عربتين حربيتين، إحداهما العربة الحربية الخاصة بـ«يويا» والد الملكة تي زوجة الفرعون أمنحوتب الثالث، وهي بالمناسبة جدة الملك توت عنخ أمون.
نعود إلى العربة الحربية والتي لها قصة طويلة في الحضارة الفرعونية، حيث تميل معظم الآراء إلى أنها دخلت مع الهكسوس المتسللين إلى مصر والذين قويت شوكتهم بعد انهيار الأوضاع السياسية والاقتصادية في أواخر الدولة الوسطى نحو 1700 قبل الميلاد. وكلمة هكسوس تعني في اللغة المصرية القديمة «حكام البلاد الأجنبية»، وقد وفدوا إلى مصر في شكل جماعات من الشمال الشرقي عبر بوابة سيناء. وتمكن هؤلاء من السيطرة على مساحات شاسعة من مصر ضمت الدلتا ومصر الوسطى بينما ظل الجنوب مستعصياً عليهم. وقد خاض الهكسوس عدداً من الحروب مع المصريين خلال أكثر من مائة سنة قضوها في مصر، انتصروا خلالها على المصريين بفضل تلك العربات الحربية التي لم تكن معروفة في الجيش المصري.
أدرك المصريون أنه لا سبيل للانتصار على الهكسوس وطردهم من مصر إلا بتطوير أسلحتهم وعتاد جيشهم، وبالتالي بدأت العربة الحربية تدخل ضمن أسلحة الجيش المصري. ليس هذا فقط، بل ويتم تطويرها أيضاً لتكون أكثر فاعلية من مثيلاتها الهكسوسية، فمن ناحية الهيكل صار أخف وزناً، يصنع من ألواح خشبية رقيقة لكنها أكثر صلابة، ويقوم على جرها حصانان وليس ثلاثة مثل العربة الهكسوسية، كما أن طاقمها يتكون من قائد العربة وفرد مقاتل بالقوس والسهام، أو بالسيف. بينما يتكون طاقم العربة الهكسوسية من ثلاثة أفراد؛ قائد العربة، وحامل الدرع، وفرد مقاتل. كذلك تم إدخال تعديلات جوهرية على تصميم وبناء العربة الحربية، فمحور العجلات أي العمود الذي تدور حوله عجلات العربة يقع في منتصف هيكل العربة الهكسوسية، بينما يقع عند مؤخرة العربة الفرعونية ليضمن مزيداً من الثبات والاتزان. كان تطوير العربة الحربية على يد المهندسين المصريين يعد عاملاً حاسماً في الكفاح ضد الهكسوس المحتلين. أصبحت العربة الحربية المصرية أخف وأسرع حركة وأكثر فاعلية في المناورة والاجتياح، وكانت تستخدم في مهاجمة العربات الحربية للعدو، وكذلك في شق صفوف المشاة.
وبفضل التطوير والتدريب الطويل والمستمر لطواقم القيادة والقتال تشكلت الفرقة الأولى للفرسان في الجيش المصري وصارت تضم النخبة من المقاتلين، وفي نهاية المطاف استطاع الفرعون البطل أحمس الأول هزيمة الهكسوس بسلاحهم نفسه وهو العربات الحربية وطارد فلولهم خارج الحدود المصرية وتحديداً إلى فلسطين.
غيَّرت العربة الحربية وجه الحياة في مصر القديمة وأصبحت تستخدم في السلم والحرب، حيث صار اقتناء عربة دليل على النبل والمكانة الاجتماعية الراقية، وكان أصحاب المزارع يستخدمونها في إدارة ومباشرة أعمالهم حيث وفرت لهم وسيلة سريعة في التنقل البري بدلاً من المراكب التي كانت تتعرض للتوقف خلال موسم الجفاف.
لقد قمت بالكشف عن مقبرة فريدة في العام الماضي لموظف يُدعى نخت مين وكانت وظيفته «رئيس سائقي العربات الحربية» وقد مات في العام التاسع لحكم الملك أحمس كما تذكر نقوش اللوح الجنائزي الخاص به. ويبدو أن نخت مين كان أحد أبطال معركة التحرير من الاحتلال الهكسوسي. إنه درس من التاريخ نتعلمه من الفراعنة الذين لولا معرفتهم بنقاط ضعفهم، ونقاط قوة عدوهم، لم يكن لينتصروا أبداً ولم يكن من الممكن تحرير بلادهم من الغزاة.