ملاحظات عابرة عن «الفساد» وحالة العراق المثيرة

ملاحظات عابرة عن «الفساد» وحالة العراق المثيرة

ملاحظات عابرة عن «الفساد» وحالة العراق المثيرة

 عمان اليوم -

ملاحظات عابرة عن «الفساد» وحالة العراق المثيرة

حسن أبو طالب
بقلم : د. حسن أبو طالب

الفساد من السلوكيات المكروهة فطرياً لدى الإنسان السوي. القرآن الكريم لعن الفاسدين والمفسدين وتوعدهم بأشد العقاب في الآخرة. وهم موجودون في كل المجتمعات وفي كل الأزمان. الفارق بين مجتمع وآخر يكمن في المحاسبة الفورية للفاسدين، فالمجتمع الذي توفرت لديه أدوات المراقبة والمحاسبة وآليات توقيع العقاب وفق قنوات قضائية رشيدة ومسارات محاسبية شفافة، يظل فيه الفساد والإفساد في أضيق نطاق ممكن. والعكس صحيح؛ فإذا غابت آليات المحاسبة وانتفى الردع المعنوي ينتشر الفساد وينخر في ثنايا المجتمع والدولة والمؤسسات، ويصبح العلاج، إن حدث في لحظة تاريخية ما، أمراً مُجهداً للجميع، يتطلب صبراً وإرادة وعزماً، والأهم دعماً شعبياً ووعياً عابراً للفئات والطبقات، يؤيد الأخذ بالمحاسبة الشفافة والعقاب الصارم للفاسدين.

في إحدى الرحلات إلى الصين، في عام 2004، وأثناء التوجه صباحاً إلى مقر أحد المؤتمرات العلمية، لاحظت أن مرافقي من جريدة «الشعب» الصينية، الذي يتحدث العربية وسائق السيارة، قد صمتا تماماً واستمعا بإمعان شديد لراديو السيارة، لمدة لا تقل عن عشر دقائق، ثم تبادلا الحديث بجدية شديدة لفترة قصيرة. حين سألت مرافقي عن فحوى ما شد انتباههما إلى حد الصمت الوقور، قال بجدية: «إنها نشرة الإعدام».

صدمتني الإجابة، وحاولت معرفة المزيد، فقال لي إنه بين الحين والآخر تتراكم أحكام قضائية بحق المسؤولين الفاسدين، ويتحدد يوم بذاته لتنفيذ الإعدامات، تعلن أسماؤهم في الصباح والجرم الذي اقترفه كل منهم، ثم في المساء تذاع نشرة أخرى تؤكد التنفيذ وتعيد إعلان مزيد من التفاصيل حول جريمة كل منهم. ووفقاً لما قاله مرافقي الصيني، فإن هذه الأحكام تطبق في ولايات عدة، والهدف من الإعلان عن الأسماء هو نوع من الزجر والردع العام. فكل فاسد - حسب قوله - يستحق العقاب لنفسه ولأسرته أيضاً التي تنالها سمعة غير طيبة بين جيرانها، مما يزيد احتقار المجتمع للمسؤول ولأسرته معاً. ثم سألني سؤالاً مباشراً هل يحدث مثل هذا الأمر في بلدكم؟ أجبت أن الحساب والقضاء موجودان، أما التشهير العنيف فليس مُستحباً، فقال ربما يلائم ذلك بلادكم نظراً لقلة عدد السكان، أما في الصين فالأمر مختلف، فنحن مليار ومائتا مليون نسمة، وإن شاع الفساد وتغلغل في المجتمع والمؤسسات من دون محاسبة، فلن يكون هناك صين تتطلع إلى تحقيق نهضة تسعد الجميع. ثم أضاف: «إننا مجتمع نامٍ لا يتهاون في تبديد موارده عبر مسؤولين فاسدين».

الدلالة في التجربة الصينية أن المحاسبة والردع المجتمعي والتشهير بالمسؤول الفاسد هي آلية مشروعة لحماية تماسك البلاد ومواردها، والتي يجب توظيفها لسد احتياجات الناس جميعاً بالعدل والتوازن. الرقابة والمحاسبة هما الأساس في العدل والتنمية، وهما الرادع الحقيقي لمحاصرة الفساد بأشكاله ومستوياته المختلفة.

عراقياً، تثير حملة الفجر واعتقال عدد من المسؤولين التنفيذيين ونواب برلمانيين، أكثر من رسالة وأكثر من معنى، يمكن سرد بعضها على النحو التالي:

أولاً: هناك سلطة تدعمها قوى كبرى تسعى للسيطرة على حجم الفساد الذي استشرى في البلاد، وحجب عنها موارد هائلة، العراق بأمس الحاجة إليها لتطوير ذاته وسد احتياجات الناس العاجلة.

ثانياً: إن حجم المبالغ المالية والعقارات والقصور الفخمة المنسوبة للمعتقلين والتي تمت مصادرتها بصورة أولية، تؤكد أن نهب موارد العراق كان مُمنهجاً، تشاركت فيه مستويات مختلفة من التنفيذيين والبرلمانيين والسياسيين.

ثالثاً: إن أساليب المحاسبة التي طُبقت في صورة هيئة لمكافحة الفساد، لم تكن رادعة، وركزت على محاسبة رموز من نظام صدام حسين، وتغافلت عن محاسبة الفاسدين في ظل النظام الجديد، بل إن بعض رموز هذه الآليات المحاسبية هي رموز، حسب الوقائع المعلنة، اقترفت أكبر المفاسد المالية بكل معنى الكلمة.

رابعاً: إن كبار المسؤولين في السلطة التنفيذية والقضائية عبر العقدين الماضين مسؤولون ولو معنوياً عن استشراء هذا الفساد الهائل. يمكن استثناء عدد محدود من كبار المسؤولين الذين حاولوا، ولكنهم حوصروا وأجبروا على الاستقالة، يُشار إلى مصطفى الكاظمي بوصفه حالة بارزة.

خامساً: إن اختيار المسؤولين وفقاً لمعايير سياسية ومحسوبيات وتدخلات إيرانية وغير إيرانية، وبغض النظر عن متطلبات الكفاءة والنزاهة، أثبت أنه وصفة للفشل والنهب والتخلف.

سادساً: إن فساد بعض مسؤولي العراق لا يخصهم وحدهم، بل يمس جيراناً إقليميين، وإن لم يكن لهم دور. وثمة دعوات عراقية تطالب بمخاطبةٍ قانونيةٍ لدول مجاورة استثمر فيها بعض المتهمين بالفساد إقامة مصانع ومشروعات سكنية فاخرة ومشاركات تجارية، على أن تقوم السلطات المحلية بتمكين العراق من السيطرة على تلك الاستثمارات.

سابعاً: إن الحملة على المتهمين بالفساد ما زالت محصورة في حدود مستويات معينة، كثيرون في الداخل يرون أنها يجب أن تطول أيضاً من يُوصفون بالحيتان، أياً كانت وظائفهم أو رمزيتهم في الحياة السياسية والاقتصادية.

ثامناً: إن التسريبات التي تزعم عرض بعض المعتقلين التنازل عما نهبوه من أموال وما يمتلكونه من عقارات وأصول مختلفة، مقابل وقف الإجراءات القضائية بحقهم، لن تمحو سمة الفاسد عن أي منهم، بل تؤيدها، وتحول دون عودة الأمور إلى سابق عهدها.

وثمة تساؤل، ماذا لو طبق العراق النموذج الصيني في المحاسبة والتشهير والردع والإعدام، أو جزء منه بصرامة؟ المؤكد أن ضعاف النفوس سوف يراجعون أنفسهم، ويمكن للعراق أن ينهض من كبوته التنموية الهائلة، ويمحو سمة البلد المنهوبة موارده من قلة فاسدة.

omantoday

GMT 16:13 2026 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

هاجوج وليموج

GMT 16:11 2026 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

فتوى «النَّووي» الإيراني... الحقيقة العارية

GMT 16:10 2026 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

في طهران شيء ممَّا كان يدور في موسكو

GMT 16:09 2026 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

وقفة على موجة عاصفة

GMT 16:07 2026 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

أوروبا... مظاهرات ويمين متطرف واقتصاد يئن

GMT 21:00 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

أعداء الضوء

GMT 20:59 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

العراق يقول: لا حوثي لديّ

GMT 20:57 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الحرب الإيرانية المستمرة على العرب!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ملاحظات عابرة عن «الفساد» وحالة العراق المثيرة ملاحظات عابرة عن «الفساد» وحالة العراق المثيرة



إليسا تتألق بصيحة الفساتين بالأكتاف المنسدلة بالتزامن مع عيد ميلادها

بيروت - عُمان اليوم

GMT 12:16 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ
 عمان اليوم - موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ

GMT 11:20 2020 الأحد ,10 أيار / مايو

بريشة : هارون

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon