عالم وإنسان ولكن بلا إنسانية

عالم وإنسان... ولكن بلا إنسانية

عالم وإنسان... ولكن بلا إنسانية

 عمان اليوم -

عالم وإنسان ولكن بلا إنسانية

إياد أبو شقرا
بقلم : إياد أبو شقرا

المسألةُ محسومةٌ... لا علاقة إطلاقاً بين الشَّاعر العربي القديم دِعبل الخُزاعي من جهة، وإيلون ماسك وسام ألتمان من جهة ثانية. هكذا يقول المنطق وتؤكد الأرقام.

فدعبل شاعر عربي عاش إبان العصر العباسي في العراق بين عامي 765 و835 م، في حين أن ماسك جنوب أفريقي-كندي-أميركي الجنسية، وألتمان أميركي. وهما يعيشان معنا في عصرنا هذا... ولكن، ربما، إذا قيّضت لهما ثرواتهما المالية الهائلة وشركاتهما التكنولوجية المتقدمة، سيعيشان لعصور وقرون عديدة مقبلة! دعبل المسكين قال ذات يوم:

إني لأفتحُ عيني حينَ أفتحُها

على كثيرٍ ولكنْ لا أرى أحدَا

بينما يرى ماسك أن «العيب الأساسي للحضارة الغربية هو... التعاطُف!».

نعم، صدّق أو لا تصدّق، «التعاطف» أو «الطيبة مع الآخرين». أما زميله ألتمان، فنقل عنه أخيراً، في معرض كلامه عن الإنجازات العلمية والتكنولوجية الفذة، قوله إنه «ما عاد هناك أي لزوم للبشر(!)»، وذلك لأنَّ كل المهام التي يؤديها الإنسان باتت ضمن قدرات الذكاء الاصطناعي والروبوتات، التي ستتفوّق عليها في القريب العاجل.

الكلام عن الاستغناء عن الإنسان، صار في الحقيقة كلاماً رائجاً. وما عاد يتحرّج منه أولئك الذين لا يرَون للإنسان حاجة له إلا إذا كان مُستهلِكاً... وإلا لماذا يقاسمهم الهواء والماء والأرض!

ما الحاجة لوجود الملايين والمليارات من الأفواه الجائعة؟ وهل يجوز «تحمّل» الأكواخ التي تغصّ بساكنيها البسطاء، والأحياء الشعبية القذرة في مدن العالم الثالث الفقيرة... التي تلوّث هواء الأرياف الأخضر والضواحي المنعّمة في عالم المَيسورين المستفيدين من ابتكارات ماسك وألتمان؟

قد يقول قائل إن تلك الابتكارات لن تكون حِكراً على الميسورين. وقد يكون هذا الكلام صحيحاً، بل أرجو أن يكون صحيحاً. لا سيما أن ماسك بشّرنا، بالأمس، بزرع أول أجهزة الرؤية في أجسام البشر خلال 12 شهراً... ما سيُمكِّن الكفيف من الإبصار. وأوضح ماسك -متّعه الله بالصحة والعافية- أن شركته «نيورالينك»، المتخصّصة في تطوير ابتكارات تتّصل بتجديد الخلايا العصبية، ومنها الخلايا البصرية، ستزرع أجهزة رؤية... ستمكّن الكفيف تماماً منذ الولادة، من الإبصار. وتابع أنه في المدى البعيد ستغدو الرؤية فائقة الوضوح، بل إن البشر سيكتسِبون «قدرات بصرية خارقة» حقيقية، وسيتمكّنون من رؤية الأشعتين «ما تحت الحمراء» و«ما فوق البنفسجية» غير المرئيتين في العين العادية.

وأكثر من هذا، كانت تقارير عدّة خلال الأشهر الفائتة، قد أفادت بأن أمراضاً وعاهات عديدة في الجهاز العصبي، بعضها وراثي، قد تكون أبحاث «نيورالينك» وغيرها في طريق القضاء عليها وجعلها من الماضي.

في الحقيقة، أنا شخصياً، متفائلٌ جداً بهذا الجانب. فالعديد من المستنبطات الروبوتية والاستشعارية والتطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي بات متوافراً في مناطق كثيرة من العالم، وفي مجالات واسعة تتراوح بين ظهور السيارات بلا سائق... إلى الجراحة بلا جراحين والصحافة بلا صحافيين! إلا أن المشكلة، بالنسبة إلى شخص مثلي، ليست في مجرّد القدرة على التطوير والابتكار، بل في الحصيلة العملية النهائية لهما. بلا أدنى شك، التقدم العلمي ضرورة حياتية... ما دامت هناك كائنات حيّة، في صميم حقها الإنساني أن «تعيش إنسانيتها».

البشر لا يعيشون فقط لتفادي البديل، أي الموت. بل هم يعيشون كي يكونوا كائنات آمنة ومنظّمة في مجتمعات تحكمها القِيَم والمبادئ والأخلاق والمشاعر الإيجابية. وهذه هي الفوارق التي قرأنا عنها، واستفدنا من إدراك مضامينها، بين المحطات التي مرّ فيها تاريخ البشر منذ العصر الحجري.

ما تعلمناه أن مفهوم «الحق بالعيش» تطوّر ليؤكد «الحق في العيش الكريم». ومفهوم «العيش التشاركي» أو المشترك تبلوَر في «الاقتناع بتقبّل الاختلاف» والتسامح معه، ومن ثم قوننته في «الأنظمة والدساتير». ومفهوم «الرفاه» استند إلى «التعلّم والمعرفة والتدرب على المهارات»... ومن ثم «تهذيب المعرفة» عبر الفنون والذوق والاستمتاع بمباهج تسمو على ضرورات البقاء وحدها.

اليوم، حتى في أرقى المجتمعات، نجد للأسف، وبالتوازي، التقدم العلمي التطبيقي -التكنولوجيا المتطورة- والتراجع المخيف للقِيَم والمبادئ والأخلاق والمشاعر الإيجابية...

العنصرية الجامحة نراها تذر بقرنها الآن في بعض أرقى مجتمعات العالم وأكثرها «ديمقراطية». وازدراء القوانين وهيبة القضاء صار ممارسة مقبولة تبرّرها المصلحة الشخصية أو الحزبية.

بل، حتى التشكيك في الأعراف والمؤسسات الدولية الناظمة لعلاقات الدول، غدا أمراً عادياً مقبولاً... بعدما قصر التعليم في الشق التربوي من مهمته، وفشل الإعلام في أداء دوره الرقابي الذي استحقّ بفضله أن يُدعى «السلطة الرابعة»... المُفترض أن عليها واجب صون الديمقراطية في الدول الحرة.

وفي الخلاصة، التقدّم العلمي والتقني أكثر من ضرورة لتطوّر الإنسان، لكن لا قيمة للإنسان من دون إنسانية.

omantoday

GMT 15:15 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

من أين؟

GMT 15:14 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

مباراة رئاسية برازيلية في صناديق مغلقة

GMT 15:12 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

الحوثي وأطفال اليمن المساكين

GMT 15:11 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

أمُّ القضايا في الشرق الأوسط

GMT 15:10 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

السياسة والرياضة... آثار التطوّر التقني

GMT 15:08 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

مئوية الدستور... سؤال الجماعة أم الدولة؟

GMT 15:06 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

الكونغرس بين موجتين... حمراء أم زرقاء؟

GMT 15:05 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

عملية نصب لم تتم

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عالم وإنسان ولكن بلا إنسانية عالم وإنسان ولكن بلا إنسانية



إطلالات وردية ملهمة من فالنتينو تزامناً مع شهر التوعية بسرطان الثدي

باريس - عُمان اليوم

GMT 21:01 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

يبشّر هذا اليوم بفترة مليئة بالمستجدات

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 09:44 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعه 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج الجدي

GMT 04:18 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم الاثنين 2 نوفمبر / تشرين الثاني لبرج الجوزاء

GMT 21:10 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

تنفرج السماء لتظهر الحلول والتسويات

GMT 11:49 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

من المستحسن أن تحرص على تنفيذ مخطّطاتك

GMT 13:39 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

ترقب لإعلان الفائز بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon