في حواره مع مجلة الـ«إيكونوميست»، أعادَ إيلون ماسك إثارةَ الجدل بشأن مواقفِه من الهجرة، والهُوِيَّةِ، والعرقِ، والأديان؛ بمَا فيها الإسلامُ، الذي ما زالَ يشكّلُ في الولايات المتحدة 1.3 في المائة، بحدود 4 ملايين ونصفِ المليون مسلم.
المفارقة أنَّ ماسك نفسَه مهاجرٌ جنوبُ أفريقيّ استقرَّ في الولاياتِ المتحدة وبنَى فيهَا إمبراطوريته الاقتصادية، بوصفهِ أحدَ نماذجِ الهجرة النَّاجحة صوبَ «الحلم الأميركي»، لكنَّه باتَ اليوم ممثلاً لأعلَى الأصواتِ تحذيراً من الهجرةِ الجماعية، ومن تراجعِ معدّلاتِ المواليدِ في المجتمعات الغربية.
هل ماسك صوتٌ نشاز؟ بالتأكيد لا، فالجدلُ بشأن الهُوية هو التحدي المقبل؛ ليس للولاياتِ المتحدة وأوروبا وحدَهما، بل للعالم كلّه، وهو اليوم في قلبِ مفهوم الدولة، لكنَّه في الجانبِ الغربي من العالم يأخذُ أشكالاً وجودية: من يملكُ تعريفَ الأمة والانتماء إليها؟ وهل يمكنُ للمجتمعات أن تحافظَ على هُويَّتها في ظلّ تحولاتٍ سكانيةٍ وثقافية متسارعة؟
مسألةُ الهُوية هي البوصلةُ التي يعودُ إليها معظمُ قضايا السياسة والأمن والاقتصاد، بل حتى الحروب ذاتها، رغمَ أنَّها تبدو لأول وهلة صراعاً على الموارد وتنافساً على المقدرات، لكنَّها في جوهرها حروبٌ على الذاكرة والانتماء والتاريخ والسياق الحضاري، وهو الأمرُ ذاته إذا تأملنا كثيراً من الحروب الأهلية والتحديات الداخلية في الدول التي أخفقت في ترسيخ مفهوم المواطنة لتحلَّ محله الانقسامات العرقية والطائفية والمذهبية.
الهجرة اليوم من أهم التحديات في العالم، حيث لا يُنظر إليها بصفتها نقطة التقاء بين الشعوب والحضارات، بل على أنَّها مصدرٌ للمخاوف وفقدان السيادة والقلق من تغير الثقافة والهوية، فضلاً عن التنافس على الوظائف والخدمات والموارد، وبالطبع التحديات الأمنية المرتبطة بالعنف والإرهاب. ولا شكَّ في أنَّ «الإسلام»، بالمعنى العام، يحتلُّ الصدارة في هذا النقاش، رغم أنَّه لا يشكل النسبة الكبرى بين المهاجرين، بقدر ما ينظر إليه وفق مفهوم الهُوية والثقافة الخاصة التي تصبغ المنتسبين إليه.
في أحدث بيانات «مركز بيو المختص» جاء أنَّ الإسلامَ أسرعُ الديانات الكبرى نمواً من الناحية السكانية. فقد بلغ عددُ المسلمين نحو ملياري نسمة عام 2020، أي 25.6 في المائة من سكان العالم، وازداد عددُهم خلال عقد بنحو 347 مليون نسمة، والأهمُّ أنَّ هذا النمو مرتبطٌ بأعمارٍ صغيرة نسبياً، وبارتفاعٍ في معدلات الولادات.
ويشكل عدد المهاجرين المسلمين حول العالم نحو 80 مليوناً، بما يعادل 29 في المائة من المهاجرين الدوليين. في أوروبا، يشكّل المسلمون نحو 6 في المائة من السكان. وتقدَّر سيناريوهات «مركز بيو المختص» أنَّ نسبتهم قد تبلغ بحلول عام 2050 نحو 7.4 في المائة حال توقفت الهجرة تماماً، و11.2 في المائة إذا استمرت الهجرة بوتيرتها المعتادة، ونحو 14 في المائة حال ارتفاع معدلات الهجرة.
لماذا تبدو حالة الهلع متصاعدة رغم أنَّ الأرقام لا تعكس وجود تهديد ديموغرافي؟ الجواب ببساطة هو الفشل في ملف الاندماج أولاً، وفي الاستثمار في الإسلام المعتدل، بدل المسارعة إلى تبني مفاهيم وسياسات ومقولات الإسلاموفوبيا، وتحويلها استراتيجياتٍ أمنيةً تزيد من العزلة، وبالتالي إنتاج القابلية للتطرف.
وما يقال عن أوروبا، التي تعيش التحدي الأكبر لمسألة الاندماج، يمكن أن يقالَ عن الولايات المتحدة الأميركية، حيث في أعلى التوقعات يمكن أن تبلغ نسبة المسلمين نحو 2.1 في المائة بحلول عام 2050، وهو رقم لا يشكل معضلة، فالخوف الأميركي من الهجرة مرتبط أشد بالحدود الجنوبية، والتحولات العرقية واللغوية، ومكانة «البيض» داخل المجتمع.
لكنَّ الإسلامَ يحظى بالتغطية والجدل؛ بسبب تحديات الاندماج وخلق هوية مواطنة لا تتعارض مع الديانة، وهي مهمة لا تُلقى على كاهل الحكومات والمؤسسات قدر المجتمعات المسلمة التي تعيش أيضاً معضلة الهوية داخل أوطانها الجديدة.
وهذه معضلة جديرةٌ بالتعاضد من أجلها ودراستها وتحويلها ملفاً عالمياً لا يحتمل الهروب إلى الأمام كما يفعل إيلون ماسك ومن هم على شاكلته، وهم في ازدياد، حين يقولون: نحن في عصر حروب الهُوية. وما يفعله ماسك وآخرون هو نقلُ القلقِ الديموغرافي من نقاشات التعصب اليميني إلى الفضاء الرقمي.
المشكلة ليست في انتشار الإسلام أو نسب المسلمين، وإنَّما في نوعية العلاقة التي تُبنى معهم وفق مفهوم المواطنة، فالهُوية لا تعمل في الفراغ. وأي مجتمعٍ يتخاذل عن بناء استراتيجيات دمج واضحة، سيكون البديلُ فيه هو البحثَ عن هويّات فرعية بديلة متطرفة تعمل ضد الهوية الوطنية الجامعة.
الاستثمار في الإسلام المعتدل؛ من بناء شراكات وعلاقات إيجابية مباشرة بالمجتمعات المسلمة، ودفعها باتّجاه احترام القانون وفهم الثقافة المحلية وتعلم اللغة والإسهام الاقتصادي، والقبول بقيم المواطنة، والقطيعة مع الهويات الفرعية المضادة لمنطق الدولة... لم يعد خياراً هامشياً، بل هو جزء أصيل من سياسات الأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي.