حرب الغموض واللَّايقين

حرب الغموض واللَّايقين

حرب الغموض واللَّايقين

 عمان اليوم -

حرب الغموض واللَّايقين

يوسف الديني
بقلم : يوسف الديني

لطالما كان الغموض جزءاً من الحروب، سواء استُخدم لخداع الخصوم، أو لإخفاء النيات، أو لتوسيع هامش المناورة أمام صناع الحرب. غير أن الحرب الإيرانية ـ الأميركية الراهنة تبدو وكأنها مصنوعة من الغموض، لا أن الغموض مجرد أحد أعراضها. فمنذ اللحظات الأولى، غابت الإجابات الواضحة عن أبسط الأسئلة: لماذا اندلعت الحرب الآن؟ وما الهدف النهائي منها؟ هل كان الهدف إسقاط النظام الإيراني، أم إضعاف قدراته، أم تقليم أذرعه الإقليمية، أم إجباره على اتفاق نووي جديد؟ وهل تشمل المواجهة مجمل السلوك الإيراني، أم تظل محصورة في الملف النووي وبنتائج تفوق اتفاق أوباما؟

هذه الأسئلة لم تكن تفاصيل هامشية، بل كانت ضرورية لفهم حدود الحرب ومسارها ومآلاتها، وبالتالي عندما تفتقر الحرب إلى هدف سياسي واضح ومعلن، يصبح من الصعب التمييز بين الهدنة والتصعيد والتفاوض، وبين الضغط من أجل اتفاق كما هو الحال بين الردع العسكري والانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

وقد عمّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا الالتباس من خلال إدارة الأزمة بمنطق بدا شخصياً ومتقلباً عند العديد من أنصاره والمحللين في مراكز الأبحاث وخزانات التفكير الأميركية والأوروبية، وكان العالم معلقاً برسم تغريدة على منصة «تروث سوشال» أكثر من انتظاره بيانات رسمية واضحة تحدد وجهة نظر أقوى قوة عظمى في العالم.

تنقل الخطاب الأميركي بين التهديد بمحو «الحضارة الإيرانية»، والحديث عن وقف قريب لإطلاق النار، ثم التهديد بالاستيلاء على جزيرة خارك، قلب الصناعة النفطية الإيرانية، وإلى غير ذلك. كما طُرحت فكرة فرض رسوم على الملاحة في مضيق هرمز، ثم قيل لاحقاً إن المضيق يجب أن يكون مفتوحاً ومجانياً أمام جميع دول العالم.

والحال أن هذه التحولات لم تعكس مرونة تكتيكية، بقدر ما كشفت عن غياب تصور متماسك لما بعد الضربات العسكرية. كل هذا الشد والجذب لا يزيد الأمور إلا اضطراباً وإرباكاً على المستوى العالمي بأسره... إرباكاً في الأسواق وإرباكاً في الحياة اليومية لدى المواطن في الشرق والغرب.

في فن الحرب ثمة فارق جوهري بين الغموض الاستراتيجي والغموض الناتج عن الارتباك. الأول أداة محسوبة يستخدمها القادة لإبقاء الخصم تحت الضغط، ومنع انكشاف النيات، وترك باب التراجع أو التسوية مفتوحاً، بحيث يستطيع كل طرف الانتقال إلى المفاوضات من دون أن يبدو مهزوماً. أما الارتباك فينشأ عندما لا تكون الأهداف محددة، ولا أدوات القوة منسجمة مع الغايات السياسية، ولا يعرف الحلفاء والخصوم ما الذي يمكن أن يوقف الحرب أو يوسعها.

إيران أيضاً تعاملت مع غموض الحرب بمنطق عدمي، وكأنها تخوض معركة وجودية تبيح نقل التكلفة إلى الآخرين. ولذلك لم تحصر ردها في مواجهة الطرف الذي يقاتلها، بل حاولت تحويل الحرب إلى صراع على الاقتصاد والطاقة والملاحة، واستهداف البنى التحتية ومقدرات الدول المجاورة، حتى بعد أن اتضح أن العمليات العسكرية لا تتجه إلى إسقاط النظام.

وهنا تكمن خطورة نموذج الأذرع المسلحة. فبدلاً من أن تتحمل الدولة الإيرانية بصورة مباشرة مسؤولية قراراتها، تلجأ إلى جماعات مسلحة تعمل خارج إطار الدول، وتنفذ عمليات يمكن لطهران التنصل منها سياسياً، مع الاستفادة من نتائجها عسكرياً وتفاوضياً. وبذلك يتحوَّل الغموض من سمة في إدارة الحرب إلى وسيلة للتهرب من المسؤولية، وتصبح الميليشيات أداةً لشن الحروب من دون إعلانها، وفرض التكلفة من دون تحمل تبعاتها القانونية والسياسية.

ولم يكن مضيق هرمز في بداية المواجهة هو المحورَ الرئيس للحرب، لكنَّه تحول سريعاً إلى مركزها الأخطر. فقد زادت مذكرة التفاهم المتعلقة بالمضيق من الالتباس بدلاً من تقليصه، بسبب غموض بنودها وقابليتها لتفسيرات سياسية وقانونية متعارضة. فمن الصعب تصور أن أزمة تمتد جذورها إلى نحو خمسة عقود يمكن احتواؤها خلال أيام بعبارات فضفاضة، من قبيل «بذل قصارى الجهد لتأمين مرور السفن التجارية».

فواشنطن قرأت هذه الصياغة باعتبارها التزاماً بفتح المضيق أمام الملاحة الدولية، بينما تعاملت معها طهران وكأنَّها اعتراف ضمني بحقّها السيادي في التحكم في الممر. وبين التفسيرين بقيت الحقيقة الأهم معلقة: هل المضيق ممر دولي تحكمه قواعد القانون الدولي وحرية الملاحة، أم ورقة ضغط تحتفظ بها دولة لتستخدمها كلما دخلت في مواجهة سياسية أو عسكرية؟

من هذا المنظور يمكن فهم الإلحاح السعودي المستمر على عدم التصعيد، لا باعتباره موقفاً دفاعياً أو استناداً إلى الحكمة السياسية فحسب، بل كحالة تصحيح ما بعدي للمناخ الذي أنتج الحرب، ومحاولة إخراج المنطقة من دائرة الغموض والاندفاع والردود غير المحسوبة. فالمقاربة السعودية تبدأ أولاً بتبريد الأزمة ومنع توسعها، لأنَّ وقف التصعيد ليس نهاية السياسة، وإنَّما شرط لعودة السياسة نفسها.

القيمة الأعمق للمقاربة السعودية التي يسيء فهمها كثيرون هي إعادة المنطقة من منطق المغامرات والعدمية وتوظيف الأذرع والحروب الرمادية، إلى منطق الدولة والقانون الدولي أي من اللايقين إلى فضيلة الاستقرار «جوهر الاستراتيجية السعودية».

omantoday

GMT 15:47 2026 الثلاثاء ,04 آب / أغسطس

في ذكرى اجتياح الكويت... مخاطر الغزو قائمة

GMT 15:46 2026 الثلاثاء ,04 آب / أغسطس

ذو النكهة

GMT 15:45 2026 الثلاثاء ,04 آب / أغسطس

الشيخ حمد الجاسر و«فيفا»

GMT 15:42 2026 الثلاثاء ,04 آب / أغسطس

لبنان... المرفأ في انتظار العدالة

GMT 15:39 2026 الثلاثاء ,04 آب / أغسطس

الزلزال والإشعار والنسوان

GMT 15:38 2026 الثلاثاء ,04 آب / أغسطس

متى يراجع حزب الله حساباته؟

GMT 15:37 2026 الثلاثاء ,04 آب / أغسطس

تجميد التصعيد والتفاوض تحت النار

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حرب الغموض واللَّايقين حرب الغموض واللَّايقين



أحدث إطلالات كارمن بصيبص شعر قصير واختيارات مبتكرة للأزياء

بيروت - عُمان اليوم

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon