تختتم اليوم في أنقرة بتركيا، أعمال واحدة من أهم قمم حلف «ناتو»، ذلك التحالف الذي تأسس عام 1949، كقوة دفاعية بقيادة الولايات المتحدة، ويُنسب إليه الفضل في الحفاظ على الاستقرار في أوروبا، وإزاحة شبح الاتحاد السوفياتي، وترسيخ مكانة واشنطن قوةً عالميةً لعقود مقبلة.
قمة أنقرة تبدو غير اعتيادية، لا سيما في ظل نظرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشركائه على الجانب الآخر من الأطلسي، هؤلاء الذين عدَّهم الخميس الماضي 2 يوليو (تموز) «لم يكونوا موجودين معنا»، في إشارة لا تخطئها العين، لمواقف العديد من العواصم الأوروبية، والتي رفضت فتح قواعدها الجوية، أو تقديم تسهيلات بحرية، للقوات الأميركية التي شاركت في العمليات العسكرية الأخيرة ضد إيران.
ما سطّره سيد البيت الأبيض على موقعه الخاص «تروث سوشيال» يفيد بأن المساهمات المالية للحلفاء، لا ترقى إلى المستوى الذي يطمح إليه، وقد نشر ترمب رسماً بيانياً يوضح حجم إنفاق «ناتو»، حيث تستثمر الولايات المتحدة أكثر بكثير من عدد قليل من الدول الأعضاء الأخرى الموضحة، بما في ذلك المملكة المتحدة وفرنسا.
حكماً، كل ما نشرته وسائل الإعلام في الأيام التي سبقت أعمال القمة، فيه مسحة من الحقيقة، لكن الأعمق موصول بالسؤال التالي: «هل لا يزال الحلف مهماً بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية رغم غضبة الرئيس ترمب، والتي تبدو في واقع الحال في موقعها وموضعها؟ أم أنه لم يعد يشكّل قيمة استراتيجية في سياسات وحسابات العم سام حالياً ومستقبلاً؟
في التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، شهدت العاصمة الأميركية واشنطن، لقاءً مهماً ومتميزاً بين الرئيس ترمب والأمين العام لحلف الأطلسي مارك روته، حيث دعا الأخير إلى تغيير جذري في التفكير لتحقيق إعادة توازن تاريخية للحلف، وبحيث تصبح المعادلة الجوهرية القائمة والقادمة بين جانبي الأطلسي تتركز على «التحول من اعتماد متبادل غير صحي إلى شراكة صحية »... إذن، ما معنى ومبنى ما صرح به روته؟
الحديث هنا يعني - ولا شك - أنه حان الوقت لكي تتحرك الدول الأوروبية، لتكون شريكاً فاعلاً وناجزاً في ديناميكيات الحلف، ومن غير اعتماد مطلق على واشنطن، سواء مالياً أو لوجستياً، وهو حديث حكماً لقي هوى كبيراً لدى الرئيس ترمب.
يصرّ الرئيس ترمب على أنه يريد من أوروبا أن تتولى الدور القيادي في دفاعها، وقد تحركت واشنطن بالفعل لتقليص التزاماتها.
الأوروبيون في الجهة المقابلة تنتابهم الهواجس، وتحلق فوق رؤوسهم الروسفوبيا؛ خوفاً من تحركات عسكرية روسية غير متوقعة، يمكن أن تجري بها المقادير بين يوم وليلة.
هنا تبدو الصورة وكأننا أمام طرفين لا تجمعهما وحدة هدف. لكن الحقيقة على غير ذلك؛ ذلك أنه ولو كانت روسيا مهدداً عسكرياً في الحال، فأوروبا تبقى في الاستقبال البوابة الغربية لأوراسيا، والتي يمكنها أن تحدّ وتصدّ أحلام الصين الصاعدة، وأكثر ما يهدد النفوذ الأميركي حول العالم.
قد تختلف واشنطن مع بروكسل ظاهرياً، لكن الواقع يقطع بأن كليهما يعرف حقائق الجغرافيا وطبائع الديموغرافيا، واللتين تجعلان من القارة الأوروبية، بشراً وحجراً، الرقم الصعب في معادلة الصراع الجيوسياسي بين الشرق الآسيوي، والغرب بجناحيه الأوروبي والأميركي؛ ما يفيد بأن هناك حاجة مؤكدة إلى «ناتو» عند الجانبين.
ماذا عن الخلافات القائمة، وكيف يمكن إنجاح القمة، وتهدئة خواطر الرئيس ترمب؟
بدا واضحاً أن خبراء المجلس الأطلسي في واشنطن قد استبقوا أعمال القمة، وطرحوا العديد من القراءات، التي تقود إلى حركة إيجابية لرأب الصدع بين الأوروبيين والأميركيين، ليظل «ناتو» حجر زاوية للغرب الذي يكاد يفقد نفوذه التاريخي بالقرب من منتصف القرن الحادي والعشرين.
رسم خبراء المجلس الأطلسي، خطوطاً عريضة لإحياء روح التعاون، منها على سبيل المثال إيجاد رؤى سريعة لدور أوروبي فيما يخص مضيق هرمز، قضية الساعة، والتي تحتاج إلى تضافر جهود الحلفاء، لتعزيز الاستقرار الاستراتيجي في منطقة عرفت القلاقل مؤخراً، وبالقدر نفسه تبقى قضية غرينلاند حجر عثرة في العلاقات الثنائية.
هنا يكمن السؤال: هل سينجح القادة الأوروبيون في أن يقدموا للرئيس ترمب مقترحات مقبولة لقضيتين شكلتا أهم التحديات الخارجية بالنسبة إليه خلال 2026؟
من جهة أخرى، وفي ظل المخاوف الأميركية من التمدد الصيني في أعالي الأرض، يبقى من المهم للغاية بالنسبة لواشنطن أن تجد عملية «حارس القطب الشمالي» طريقها كحل وسط للتعاون الأمني الأوروبي - الأميركي المشترك، وبخاصة في ظل تصريحات روسية - صينية لا توفر أطماعهما هناك.
قمة أنقرة لحظة انتقالية لتنسيق الجهود في مواجهة ضبابية عالم جديد، وتستدعي اتفاقاً لا افتراقاً.