في فجر الأربعاء الماضي، استفاقت البحرين والكويت على حدث خطير تجاوز في دلالاته حدود العمل العسكري. فقد أطلقت قوات «الحرس الثوري» الإيراني مجموعة من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه الدولتين. وهما ليستا طرفين في أي حرب، وفي حين أخفقت بعض المقذوفات في الوصول إلى أهدافها في البحرين، أصاب بعضها مطاراً مدنياً في الكويت، ما أدى إلى سقوط ضحايا وجرحى في منشأة مدنية لا علاقة لها بأي عمل قتالي. وقد سارعت دول الخليج إلى إدانة هذا الاعتداء، واعتباره عملاً غير مبرر يخالف قواعد القانون الدولي وأعراف العلاقات بين الدول.
اللافت أن بعض المصادر الإيرانية برّرت الهجوم بالقول إنَّه استهدف «قواعد عسكرية أجنبية». ويذهب بعض المتعاطفين مع هذا التبرير إلى اعتباره سبباً كافياً لإضفاء الشرعية على ما حدث. غير أنَّ هذا منطق سقيم يتجاهل حقيقة قانونية وسياسية أساسية، وهي أنَّ وجود قواعد عسكرية أجنبية في دولة مستقلة لا يُشكِّل في حد ذاته عملاً غير مشروع، بل هو حق سيادي تمارسه الدول وفق مصالحها الوطنية وتقديراتها الأمنية، خصوصاً إذا أعلنت على الملأ تكراراً أنها لا تسمح بأن يستخدم مجالها الجوي أو أراضيها للاعتداء على آخرين!
القانون الدولي المعاصر يقوم على مبدأ واضح: لكل دولة سيادة كاملة على أراضيها، ومن حقها أن تعقد الاتفاقيات التي تراها مناسبة لحماية أمنها ومصالحها، ما دامت تلك الاتفاقيات تمت بإرادة حرة. وقد كرست مواثيق الأمم المتحدة واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات هذا المبدأ بصورة صريحة. لذلك فإن إقامة قاعدة عسكرية أجنبية لا تعد انتقاصاً من السيادة، متى جاءت بناءً على اتفاق قانوني بين دولتين مستقلتين.
الأمثلة على ذلك كثيرة ومتنوعة. فتركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، تستضيف منذ عقود قاعدة إنجرليك الجوية التي تعد من أهم القواعد الأميركية خارج الولايات المتحدة. وألمانيا تضم عدداً كبيراً من القواعد الأميركية التي تعود جذورها إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي اليابان توجد قواعد أميركية في أوكيناوا، ضمن ترتيبات أمنية وافقت عليها طوكيو. كما تستضيف بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وكوريا الجنوبية قواعد مشابهة. ولم يقل أحد إن وجود هذه القواعد يمنح دولة أخرى حق قصف الأراضي التركية أو الألمانية أو اليابانية أو الكورية الجنوبية.
القانون الدولي يمنح الدولة صاحبة السيادة وحدها حق اتخاذ القرار. إذا رأت دولة ما أن أمنها القومي يتطلب شراكة دفاعية مع دولة أخرى، فإن ذلك يدخل ضمن صلاحياتها السيادية الكاملة. أما أن تمنح دولة ثالثة نفسها حق معاقبة تلك الدولة أو مهاجمة منشآتها المدنية بحجة اعتراضها على خياراتها الأمنية، فذلك يفتح باب الفوضى الدولية على مصراعيه.
وقد أكدت وزارة الخارجية الكويتية رفضها القاطع لاستخدام أجوائها أو أراضيها في أي أعمال عدائية ضد أي دولة، وشددت على أن الادعاءات الإيرانية بشأن ذلك عارية عن الصحة ولا تستند إلى أي دليل. كما أوضحت أن تكرار هذه المزاعم لا يمكن أن يُشكِّل بأي حال مبرراً للاعتداء على أراضي الكويت أو منشآتها المدنية والحيوية. ويعني ذلك أن الدولة التي تعرضت للهجوم تنفي بصورة رسمية الأساس الذي بنيت عليه تلك المزاعم، الأمر الذي يضعف الحجة السياسية والقانونية المستخدمة لتبرير الاعتداء.
ولعل من المفيد التذكير بأن العلاقات العسكرية بين الدول لا تتم في فراغ قانوني. فهناك ما يعرف باتفاقيات وضع القوات الأجنبية، وهي اتفاقيات تنظم بصورة دقيقة وضع القوات الموجودة في الدولة المضيفة، وتحدد الاختصاصات القضائية والمالية والإدارية، كما تحدد حقوق وواجبات كل طرف. وهناك أيضاً اتفاقيات المقر التي تنظم استخدام الأراضي والمنشآت ومدد البقاء والالتزامات المتبادلة. أي أن الأمر لا يتعلق بوجود غامض أو خارج القانون، بل بمنظومة قانونية معترف بها دولياً.
الأخطر في الخطاب الذي يبرر استهداف دول الخليج أنه يحاول نقل المسؤولية من المعتدي إلى الضحية. فبدلاً من إدانة إطلاق الصواريخ على أراضٍ ذات سيادة، يصبح النقاش حول ما إذا كانت تلك الدولة تستضيف قاعدة عسكرية أم لا؟ وبهذا المنطق يمكن تبرير الاعتداء على عشرات الدول حول العالم، وهو منطق لا يمكن أن يقبله أي نظام دولي يسعى إلى الاستقرار.
ثم إن استهداف مطار مدني يطرح سؤالاً إضافياً يتجاوز الجدل السياسي. فالمطارات المدنية جزء من البنية التحتية المدنية، التي تخدم المواطنين والمسافرين والاقتصاد الوطني. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف للصواريخ، فإن الضحايا ليسوا جنوداً في ساحة معركة، بل مدنيون أبرياء يدفعون ثمن صراعات لا علاقة لهم بها.
العالم المعاصر لا يقوم على قاعدة أن الدولة الأقوى تفرض إرادتها بالقوة المسلحة، بل على احترام السيادة والحدود والقانون. وإذا كان من حق أي دولة أن تختلف سياسياً مع جيرانها، فليس من حقها أن تحول هذا الخلاف إلى صواريخ تسقط على المطارات والمدن والمنشآت المدنية.
القضية ليست قضية قواعد عسكرية بقدر ما هي قضية شهوة توسع وعدم احترام سيادة الدول. فمن يقبل بحق الدول في اتخاذ قراراتها السيادية لا يمكنه في الوقت نفسه أن يبرر قصفها بسبب تلك القرارات. تلك معادلة لا تستقيم لا قانوناً ولا أخلاقياً ولا سياسياً.
آخر الكلام: حين تستهدف السيادة، يصبح الصمت شريكاً في الخطأ.