ما وراء سياسة الأرض المحروقة

ما وراء سياسة الأرض المحروقة

ما وراء سياسة الأرض المحروقة

 عمان اليوم -

ما وراء سياسة الأرض المحروقة

عثمان ميرغني
بقلم - عثمان ميرغني

عندما استعاد الجيش السوداني والقوات المشتركة منطقة جبرة الشيخ في كردفان أواخر الشهر الماضي، لم يكن أكثر المشاهد تأثيراً هو حجم الدمار العسكري، بل ما حلّ بالمستشفى الرئيسي في المنطقة. فقد خرج المستشفى تماماً عن الخدمة، بعد أن تعرّض لأعمال التدمير والنهب والتخريب التي لم تسلم منها غرف العمليات ولا عنابر الأطفال ولا المرافق الحيوية. وتحولت منشأة، يفترض أن تكون ملاذاً للمرضى، إلى ثكنة عسكرية ومخزن للسلاح، قبل أن تُترك خراباً ليُحرم آلاف المدنيين من أبسط حقوقهم في الرعاية الصحية.

لم يكن هذا المشهد استثناءً، بل امتداد لنمط تكرر في مناطق عديدة دخلتها «قوات الدعم السريع» خلال الحرب. فما زالت آثار الدمار ماثلة في الخرطوم والجزيرة وأجزاء واسعة من دارفور وكردفان؛ حيث استهدفت المرافق الخدمية والبنى التحتية والأسواق والمنازل، لتتجاوز آثار الحرب ساحات القتال، وتمتد إلى حياة المدنيين ومستقبل المجتمعات.

يصعب النظر إلى هذه الوقائع بوصفها أضراراً جانبية للحرب، فهي تتسق مع ما يُعرف بسياسة «الأرض المحروقة»، وهي استراتيجية تقوم على تدمير الموارد والمنشآت لمنع الخصم من الاستفادة منها. غير أن هذه الاستراتيجية تفقد أي مبرر عسكري عندما تُوجَّه ضد المدنيين ومصادر حياتهم، إذ تتحول من تكتيك حربي إلى وسيلة للعقاب الجماعي والترهيب، وقد ترقى، حسب ظروف كل حالة، إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

ولذلك، لا يقتصر أثر هذا النمط من التدمير على المباني، بل يمتد إلى المجتمع نفسه. فعندما تُحرق المنازل، وتُنهب الأسواق، وتُدمَّر المستشفيات والمدارس، لا يصبح الهدف مجرد السيطرة على منطقة، وإنما جعلها غير قابلة للحياة، ودفع سكانها إلى النزوح القسري، بما يفتح الباب أمام تغييرات ديموغرافية طويلة الأمد. وقد شهد السودان، لا سيما دارفور، نماذج مؤلمة لهذا النوع من الممارسات؛ حيث ارتبط إحراق القرى بتهجير جماعات سكانية كاملة.

إلى جانب ذلك، تؤدي سياسة الأرض المحروقة وظيفة نفسية لا تقل أهمية عن وظيفتها العسكرية. فالغاية ليست فقط السيطرة على الأرض، وإنما السيطرة على الإرادة. فعندما تنتشر صور القرى المحترقة والمستشفيات المدمرة والأسواق المنهوبة، يصبح الخوف نفسه سلاحاً. ويغادر المدنيون مناطقهم قبل وصول المهاجمين، فيتحقق الهدف من دون قتال يُذكر، لأن الرعب يسبق القوة المسلحة.

كما تترك هذه السياسة آثاراً بعيدة المدى على النسيج الاجتماعي، فإعادة إعمار المباني قد تكون ممكنة، لكن إعادة بناء الثقة بين المجتمعات أكثر صعوبة. ومع استمرار النزوح والتهجير القسري، وتعطل الخدمات، وانهيار النشاط الاقتصادي، تتعمق الانقسامات الاجتماعية، ويصبح التعافي أكثر تكلفة وتعقيداً.

ولا يقف أثر هذه السياسة عند تمزيق النسيج الاجتماعي، بل يمتد إلى تعطيل فرص التعافي بعد انتهاء الحرب. فحين تُدمَّر المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والأسواق والمصارف، تصبح عودة السكان إلى مناطقهم محفوفة بالصعوبات، حتى بعد توقف العمليات العسكرية. فغياب الخدمات الأساسية وسُبُل كسب الرزق يؤخر استئناف الحياة الطبيعية، ويطيل أمد النزوح، ويزيد تكلفة إعادة الإعمار، لتظل آثار الحرب ماثلة لسنوات بعد أن تصمت المدافع، ويصبح التعافي نفسه من ضحايا سياسة الأرض المحروقة.

ويحظر القانون الدولي الإنساني استهداف الأعيان المدنية أو تدميرها من دون ضرورة عسكرية، كما تحظر اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها تجويع المدنيين وتدمير مصادر حياتهم. وتؤكد آليات الأمم المتحدة أن الانتهاكات الجسيمة لهذه القواعد قد تشكل جرائم حرب، بينما قد ترقى، إذا ارتبطت باستهداف جماعة محددة بقصد تدميرها كلياً أو جزئياً، إلى جرائم أشد خطورة وفقاً للقانون الدولي.

وفي هذا السياق، وثقت تقارير أممية ومنظمات دولية مستقلة انتهاكات جسيمة نُسبت إلى «قوات الدعم السريع»، شملت القتل والتعذيب والعنف الجنسي والتهجير القسري والاضطهاد على أسس عرقية. كما خلصت الولايات المتحدة إلى أن الهجمات التي استهدفت قبيلة المساليت في غرب دارفور ارتقت إلى مستوى الإبادة الجماعية، في حين وصفت الأمم المتحدة ما جرى في الفاشر بأنه «وصمة عار على ضمير الإنسانية».

لكن، حتى من منظور سياسي بحت، فإن سياسة الأرض المحروقة تحمل في داخلها بذور فشلها. فالقوة قد تفرض سيطرة مؤقتة على الأرض، لكنها لا تكسب ولاء السكان. وعلى العكس، فإن تدمير المنازل والمستشفيات والأسواق وتجويع المدنيين يرسخ مشاعر العداء، ويقوض أي إمكانية لبناء شرعية أو قبول اجتماعي. وما يُهدم في أيام يحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة بنائه، أما الثقة التي تُفقد بفعل هذه الجرائم فقد لا تعود أبداً.

ولهذا، فإن أخطر ما في سياسة الأرض المحروقة ليس حجم الدمار الذي تخلّفه، بل الأثر الذي تتركه في مستقبل المجتمع والدولة. فهي لا تكتفي بتخريب الحاضر، وإنما ترهن المستقبل لدورات جديدة من الكراهية والانقسام، وتجعل السلام أكثر بُعداً، حتى بعد أن تصمت المدافع. فالتدمير قد يكون سهلاً، أما إعادة بناء الإنسان والثقة والوطن فهي المهمة الأصعب.

omantoday

GMT 15:15 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

من أين؟

GMT 15:14 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

مباراة رئاسية برازيلية في صناديق مغلقة

GMT 15:12 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

الحوثي وأطفال اليمن المساكين

GMT 15:11 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

أمُّ القضايا في الشرق الأوسط

GMT 15:10 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

السياسة والرياضة... آثار التطوّر التقني

GMT 15:08 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

مئوية الدستور... سؤال الجماعة أم الدولة؟

GMT 15:06 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

الكونغرس بين موجتين... حمراء أم زرقاء؟

GMT 15:05 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

عملية نصب لم تتم

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ما وراء سياسة الأرض المحروقة ما وراء سياسة الأرض المحروقة



إطلالات وردية ملهمة من فالنتينو تزامناً مع شهر التوعية بسرطان الثدي

باريس - عُمان اليوم

GMT 21:01 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

يبشّر هذا اليوم بفترة مليئة بالمستجدات

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 09:44 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعه 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج الجدي

GMT 04:18 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم الاثنين 2 نوفمبر / تشرين الثاني لبرج الجوزاء

GMT 21:10 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

تنفرج السماء لتظهر الحلول والتسويات

GMT 11:49 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

من المستحسن أن تحرص على تنفيذ مخطّطاتك

GMT 13:39 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

ترقب لإعلان الفائز بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon