عن حماسة كرة القدم وحيويَّة «التشجيع»

عن حماسة كرة القدم وحيويَّة «التشجيع»

عن حماسة كرة القدم وحيويَّة «التشجيع»

 عمان اليوم -

عن حماسة كرة القدم وحيويَّة «التشجيع»

فهد سليمان الشقيران
بقلم - فهد سليمان الشقيران

مع كل موسمٍ مونديالي عالمي تتغيّر الحركة البشرية على المستويين الذاتي والزمني. يصبح الوقت المنتظَر لبدء المباراة هو الأساسيّ بغية التجهيز النفسي لمتابعة النزال؛ وآية ذلك أنَّ في هذا المونديال قد سهّلت بعض الدول على الموظفين ساعاتِ عملهم من أجل رفع معنويات منتخبهم وممثلهم في كأس العالم. بعضٌ قد يرى أنَّ في التشجيع ترفاً أو مضيعة للوقت، وهذا منقوضٌ تماماً إذ يمثّل الانتماء للقميص الممثل لبلدك هويّتك وتاريخك وأرضك، إنَّ كل لاعب يرتدي قميص وطنك تنظر إليه وكأنَّه أنت، حيث تشعر بالغضب لحظة الخسارة، وبالفرح العارم إذا تمكّن من تحقيق أي انتصار.

وأستدلّ على ذلك بمبحثٍ بعنوان: «الرياضة والشعوب والسياسة (1945)» لجورج أورويل، ترجمة ناصر المري، لصالح مجلة «حكمة». وفيه يقول:«كل الألعاب الرياضية اليوم تنافسية، تلعب لتفوز، إذ لا معنى للعبة إذا لم تبذل قصارى جهدك للفوز على المستطيل الأخضر، عندما تختار أحد الأطراف دون الشعور الوطني المحلي، فإنه من الممكن فقط اللعب للمتعة والتمرين، لكن حالما تحضر قضية البرستيج عندما تشعر أنك جزء من وحدةٍ أكبر سيحل بها الهوان عند الهزيمة، عندها تستثار لدى اللاعب أبشع الغرائز الوحشية، وهذا شيءٌ يعرفه من سبق أنْ لعب مباراة كرة قدم في مدرسة. الرياضة على المستوى الدولي صراحةً هي محاكاةٌ للحرب».

وهذا صحيح؛ فالرياضات والمسابقات وعلى رأسها كرة القدم لها حركتها الزمانية والمكانية، ولها روحها، وعلامتها، وثقافتها.

بل لها تاريخ ضاربٌ ومتطور، وتداخل متشعب؛ فهي تنسجم مع المجالات الأخرى، بل من صميم حيويتها وفاعليتها، كالمجال الطبي، لاتصالها بالصحة والحياة، والآخر في المجال الثقافي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي؛ فهي تدخل على هذه المجالات بصفتها عملية تغالب ومقاومة ومراهنة، بل تدخّل في درْس فضاءيها وأثرها الفلاسفة.

ومن ضمن تداخلها مع المجال الثقافي تتمكن الفلسفة من طرح الرياضة في عصب نظرياتها؛ والرياضة درستها الفلسفة بشكلٍ غير مباشر، وذلك لجهة اتصالها بالقواعد، والتغالب، والفضاء الذي تمارس فيه، ولوقوعها في زمانٍ ومكانٍ، ولما تحمله كل رياضة من تاريخ، وهذا هو السبب الذي دفع ستيفن كونور لتأليف كتابه المهم: «فلسفة الرياضة». يدرك المؤلف أنَّ بين الرياضة والفلسفة بعض الانفصال وكثيراً من الاتصال.

فهو في ديباجة الكتاب يعترف بأنه: «ليس هناك ارتباط طبيعي، ظاهرياً، يربط الرياضة بالفلسفة؛ فمن المفترَض عموماً، وربما تشيع الفرضية نفسها حتى بين قليلٍ من الفلاسفة، أنَّ الفلسفة أقرب مما يمكن أن يمارسه المرء إلى التفكير المحض، الذي ينطوي (مثلاً) على فعل التفكير في التفكير نفسه. وفي المقابل، نجد أن الرياضة تنطوي على إجهاد البدن في شيءٍ أشبه ما يكون بأنقى أشكاله».

والمسافة البعيدة، بحسب المؤلف، بين الفلسفة الأخلاقية والقضايا العملية تتجسد في مسرحياتٍ مثل ما كتبه توم ستوبارد بعنوان «القافزون» (1972) بتمثيل الفلسفة الأخلاقية بلغة الرياضة البدنية، والفجوة بين الطبيعي، وما وراء الطبيعي، هي مصدر الضحك في المشهد المسرحي الهزلي، لمجموعة مونتي بايثوني الموسيقية الهزلية، الذي يصوّر مباراة أولمبية نهائية بين فريقي كرة قدمٍ من الفلاسفة يمثلان اليونان وألمانيا.

مثلاً؛ في المسرحية، وفور أن تنطلق الصافرة، يشرع الفلاسفة في المشي بخطواتٍ واسعة حول الملعب، ولا يلاحظ أحدهم الآخر قط، غير أنهم يتأملون ويتجادلون مع أنفسهم، بينما تستقر الكرة في منتصف الملعب من دون حراك، وأخيراً بعد أن ينزل الإلهام المفاجئ على «أرخميدس» يشن حكماء اليونان هجمة تخترق صفوف الألمان المتفاخرين، فتنتهي بـ«سقراط» وهو يسدد الكرة في مرمى الألمان. يخوض الألمان نزاعاً حول صحة الهدف، بحسب وصف المعلق على المباراة بحماس: «يحتج هيغل بأنَّ الواقع مجرد ملحق بديهي للأخلاق الطبيعية. أمَّا كانط، فيحتج استناداً إلى الأمر القطعي؛ بأنَّ الواقع الموجود مجرد أنطولوجيا فقط في الخيال. ويزعم ماركس أنَّ الهجمة كانت تسلُّلاً».

نعم هي مسرحية هزلية ولكنَّها تعبّر عن لبّ التلاقي الرياضي والمجتمعي والثقافي.

ومعلومٌ أنَّ هذه المسرحية فرشت الطريق بين كرة القدم والفلسفة، عبر تكوين فريق لكل منهم حججه النظرية في الموقف؛ من صوابية الربح، والمؤلف يعترف بأنَّ هذا الكتاب تتمة لثلة سبقوه، منهم مارك بيريمان «كرة القدم والفلسفة»، وتتمته كتاب «كرة القدم الفلسفية»، الذي يطرح فيه تبديلاتٍ للمسارات المهنية الفكرية لفلاسفة أخذهم كشخصياتٍ لمسرحيّة رياضية.

الخلاصة أنَّ التشجيع الرياضي جزء من الغريزة الإنسانيّة، فهو بديل عن العنف والحرب؛ إنَّ اللعب والتحكيم وإطلاق الأهازيج وتسجيل الأهداف أو طرد اللاعب المسيء كلها علامات تشرح طبيعة الإنسان وتلخّص تاريخه، وهذا التفسير ربما لا يروق لبعض المثقّفين الغارقين في مكتباتهم، والذين يريدون من كل المجتمع أن يكون باحثاً في النقد والنظريّة والتكوين الغربي والاستعمار، أو الاعتكاف بمكتبةٍ وعلى مدى عقود، لبحث مسائل «البلاغة» و«التناصّ».

omantoday

GMT 07:20 2026 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

بدأت مع إديسون

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

الزيدي يعدنا بعراقٍ جديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

«اتّفاق الإطار» والمسؤوليّة الذاتيّة

GMT 07:16 2026 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

في صحبة الأمين العام

GMT 07:15 2026 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

وسائل التواصل... لها وعليها

GMT 07:13 2026 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

في الخلاصات السياسية... حربٌ كأنها لم تكن!

GMT 07:12 2026 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

ليبيا:... مبادرة بولس تنقصها «مَطَاسَات»

GMT 07:09 2026 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

الخوارزميون الجدد وإعادة رسم النظام العالمي

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن حماسة كرة القدم وحيويَّة «التشجيع» عن حماسة كرة القدم وحيويَّة «التشجيع»



الفستان الأحمر نجم إطلالات النجمات الصيفية

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 06:49 2026 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

الصحة العالمية تحذر من صيف أكثر قسوة في أوروبا
 عمان اليوم - الصحة العالمية تحذر من صيف أكثر قسوة في أوروبا

GMT 06:49 2026 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

الصحة العالمية تحذر من صيف أكثر قسوة في أوروبا

GMT 15:34 2020 الخميس ,03 أيلول / سبتمبر

نجمات يخترن الجينز ليظهرن أطول

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 06:16 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

ضغوط مختلفة تؤثر على معنوياتك أو حماستك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon