الأثر «الرأسمالي» على سياسات «الطائفة»

الأثر «الرأسمالي» على سياسات «الطائفة»

الأثر «الرأسمالي» على سياسات «الطائفة»

 عمان اليوم -

الأثر «الرأسمالي» على سياسات «الطائفة»

فهد سليمان الشقيران
بقلم - فهد سليمان الشقيران

لم يقْتصرُ درْس الطائفيّة بوصفه واقعة اجتماعيّة على مجالٍ بعينه، بل يهتمّ به كل متخصص على طريقته بأيٍ حقلٍ علميّ «اجتماعي، ديني، سياسي، فكري» ما يهمنا الآن هنا درْسه ضمن المجال الاقتصادي.

نعم؛ لم تكن الطائفية بعيدةً عن التفسير الاقتصادي. بالتأكيد إن التمييز الطائفي يبدأ عادةً من القاعدة ومن ثمّ يتصاعدُ إلى الأعلى يصّعّد أثره مكوّناً مجموعة أفكار وأنماطٍ ونُظُمٍ واستراتيجيات فتّاكة.

غير أن الإمساك بعصب تأثير هذا الثلم الاجتماعي بغية تحجيمه قدر الإمكان مطمح كل باحث.

وقد كتب المختصّون حول دور مفهوم الدولة بكل مؤسساتها وشرائعها وقوانينها وقوّتها التنفيذية على تحييد الطائفية على الأقل من أي تأثيرٍ مباشر على التعايش في المجال العام. ثمرة ذلك المخاض مجموعة من القوانين والتشريعات التي تكفل حق الجميع باتباع ما يريدون من دينٍ أو طائفةٍ أو طريقةٍ روحيّة، ولكن من دون تسييلها كبرنامج دعوةٍ أو أسلوب تفوّقٍ على الآخرين، فضلاً عن أن يصل إلى استتابة المخالف أو تكفيره، بل يكون الواقع مدنياً خالياً من صراعات الطائفية الفتّاكة، والتزام كل مجموعةٍ أو فردٍ بنظم الدولة وشرعتها.

لم يُعنَ الفيلسوف وعالم الاجتماع الكبير ماكس فيبر بالطائفة على الطريقة المدرسية والتربوية التقليدية، بل هرع نحو تقصّي معنى الطائفة من زاويتها الرأسمالية، وذلك في مقالةٍ له بعنوان «الطوائف البروتستانتية وروح الرأسمالية» كتبها في عام 1920، نشرت في كتاب «مقالات في علم الاجتماع الاقتصادي» الذي حرّره ريتشارد سويدبرغ، وترجمتْه ابتسام خضرا.

ميزة ما طرحه فيبر أنه حلّل الطائفة من منظورٍ اقتصادي، حيث بدأ بموضوع التعميد، إذ يعتبر الدخول في الطائفة ضمانة أكيدة للصفات الأخلاقية للرجل المهذب، وخصوصاً الصفات المطلوبة في أمور الأعمال التجارية. فالتعميد يكفل للفرد «المصرفي» الحصول على ودائع المنطقة كلها والائتمان غير المحدود الذي لا ينافسه فيه أحد. إنه «رجل واثق من النجاح». والملاحظات الإضافية تؤكد أن هذه الظواهر، أو ما يشابهها على الأقل، تتكرر في أشد المناطق تنوعاً. وبصورة عامة، لم ينجح من رجال الأعمال إلا من ينتمون إلى الطائفة الميثودية، أو الطائفة المعمدانية، أو طوائف أخرى، أو تجمعات دينية شبه طائفية.

لكن ماذا عن الفرد في طائفته ودورها في تنظيم شؤونه الماليّة؟!

يجيب فيبر «عندما ينتقل عضو طائفة ليقيم في مكان آخر، أو إذا كان بائعاً متجولاً، فإنه يحمل معه شهادة انتمائه إلى طائفته؛ وبذلك يسهل عليه التواصل مع أعضاء طائفته، بل ويكون أيضاً، وعلاوة على كل شيء، محل ثقة ائتمانية في كل مكان. فإذا دخل في ضائقة اقتصادية بلا خطأ ارتكبه، تقوم الطائفة بتنظيم شؤونه».

هذه الجمل السريعة من البحث الطويل أعلّق عليها بنقطتين.

الأولى، ضرورة التركيز على الدور الاقتصادي العام والمادي الخاص في توجيه الأفكار؛ وفي تبويب الطوائف وإيقاظ نزعاتها في كثيرٍ من الأحايين، وهو ولئن كان تأثيره كامناً فإن فيبر وضع مشرط نظريّته حول الرأسمالية على الجرح حين شرّح البروتستانتية وعلاقات التصدّع الطائفي داخلها بالمنافسة الماديّة مما جعل معارك الطائفة في مكانٍ ما تحتدم أكثر حين تكون مشبوبةً بوقود المال، حينها يصبّ زيته على أحاديث الخلاص والنجاة مما يؤسس للتنافر والحروب الأهلية، وأحيا أدبيات الاصطفاء.

الثانية: أهمية رصد الشبه بما يتعلق بالتصدّع الطائفي بغضّ النظر عن الانتماء لأيّ ملّةٍ، فثمة تشابه تكويني على النحو الذي لخّصه فيبر، صحيحٌ أن منطلقه كما في كلّ نظريته حول «النُّسُكيّة البروتستانتية» غير أنها تصحّ على بقيّة الطوائف وإن بدرجاتٍ أقلّ. إن الفتوحات التي منحنا إياها فيبر لموضوع الطائفة تبيّن المستوى البشري للنزعات التي يزعم أصحابها أنها نابعةٌ من الطهرانيّة بينما تتبدى آثار المصالح الدنيوية لنا مع كل اضطرام لنار الطائفية المُهْلِك.

الخلاصة؛ أن ماكس فيبر لئن لم يقصد في بحثه عن «الطائفة» السياسات الطائفية بالمعنى الميداني التي نعيشها نحنُ في الإقليم، فإن من المفيد الاستئناس بما طرحه لجهةِ الأثر التنافسي الدنيوي والأثر الرأسمالي على تعزيز أفكار التصدّع والتناحر والتكاره.

omantoday

GMT 21:00 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

أعداء الضوء

GMT 20:59 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

العراق يقول: لا حوثي لديّ

GMT 20:57 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الحرب الإيرانية المستمرة على العرب!

GMT 20:56 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... مجتبى ونصيحة كوليريدج

GMT 20:54 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كيف أخفقت الأمم المتحدة في إنقاذ الأجيال من الحروب؟

GMT 20:53 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الحرب ومستقبل لبنان الكبير

GMT 20:51 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

المخرج والنجوم.. المسموح والممنوع!!

GMT 20:49 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

دعم السعودية وحق المصريين فى الفهم

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأثر «الرأسمالي» على سياسات «الطائفة» الأثر «الرأسمالي» على سياسات «الطائفة»



الفستان الأبيض بديل الاختيارات الداكنة في سهرات الخريف

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 11:20 2020 الأحد ,10 أيار / مايو

بريشة : هارون

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد

GMT 13:45 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

نفط عُمان يواصل الارتفاع ويصل إلى 116.77 دولار للبرميل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon