دروب الإرهاب وأسئلة «الجذر» و«المعيار»

دروب الإرهاب وأسئلة «الجذر» و«المعيار»

دروب الإرهاب وأسئلة «الجذر» و«المعيار»

 عمان اليوم -

دروب الإرهاب وأسئلة «الجذر» و«المعيار»

فهد سليمان الشقيران
بقلم - فهد سليمان الشقيران

لا يعزُب عن الدارسين والمؤرخين للعلوم وتاريخها، وللظواهر وجذورها ومصادرها أن الإمساك بتلابيبها والغوص في أصلها من المهام الكبار التي أخذت وقتاً طويلاً حتى تصل إلى النضج التي باتت عليه في مجالات البحوث والأكاديميات بالعالم.

مع كل موجةِ نضوب بحثيّة أو انهياراتٍ تحليلية تنبري بعض العقول اللامعة لوضع خُطّاطاتٍ بحثيّة تتبع كل مفهومٍ من جذره بحثاً عن وثائقه وتاريخه، ومن ثمّ إدماجه في مجال التحليل ليأخذ دورته التنقيبية الشاملة قبل أن يصل المهتمّ إلى «المعيار» الملائم الذي على أثره ينسب هذا الموضوع إلى مجالاتٍ تاريخيّة أو فكريّة أو اجتماعيّة أو نفسية.

حدثَ هذا في مجالاتٍ عديدة اقتنصها المختصّون لإدراك «الكُنْه» الذي تنبجس منه، ولئن استعزّت هذه البحوث في القرون السابقة تحديداً من السادس عشر، فإنها في القرن العشرين ستأخذ صياغةً علميّة تحليليةً أركيولوجيةً محكمة، ومن ذلك على سبيل المثال ما فعله ميشيل فوكو بأبحاثه التوثيقية للجنون والسجون والمصحّات وسواها.

يهمنا في هذه المساحة ضرب المثال بنظريّته حول «ولادة العيادة» لأنه أعاد لموضوع «المعيار» حُكمَه، فالصحّة هي معيار تشخيص المرض وهكذا، ومن جهةٍ أخرى لأن الكتاب تشعّب في النواحي البيئية والعدوى التي مردّها تحوّل الأسرة إلى جزء من «حالة الطبيعة» التي يترعرع فيها المرض، بالإضافة إلى ثيمات أخرى يستعين بها فوكو مثل معاني تنظيم الطب وتطوّره لصالح الأنوار والحريّة، فكما أن ثمة مرضاً تاريخياً مردّه إلى الواقع والقانون، فإن ثمة أمراضاً أخرى فلسفية وفكريّة وخرافية مردّها «الوباء التكويني».

ثم يسرد علينا فوكو كيف أن التدريب الطبّي ما حُلّت مشكلته إلا بتنظيم التعليم، وآية ذلك أن المرض والوفاة قدّما المزيد من «الدروس» في المستشفيات، فالإصلاح التعليمي ساهم في تمتين «أشكالٍ من التجربة» في المعالجة، ضمن معرفة المرض بالذات وإنما «أشدّ أصوليّة»، وبحسب فوكو فـ«في القرن الثامن عشر أصبح نظام التربية والتعليم، بصفته منظومة لمعايير التأهيل متمفصلاً بشكلٍ مباشر مع نظريةِ تمثّل الأفكار وترابطها. لقد كانت طفولة الأشياء والناس وشبابهما مشحونين بسلطةٍ غامضة، ألا وهي أن تنطلق بولادة الحقيقة وتقرّبها، وعليه صار الطفلُ سيّد الكهل من باب أن التدريب الحقيقي يتماهى مع نشأة الحقيقي ذاته».

من هذه الزاوية لدى فوكو يمكننا استثمار منهجيّته بغية فهمٍ أشدّ دقةً ورصانةً لمفهومٍ مرَضيّ هو الآخر وأعني به «الإرهاب». إذ المرض بوصف فوكو «ليس سوى تجميع للأعراض». (ولادة العيادة-ص:138).

لقد ظلّت الكُراسات والأفكار والحمولات التحليلية تجتهدُ من أجل تنفيذ حصاريْن أساسيين؛ أولهما: الحصار في الواقع عبر الضرب الأمني ووضع سياساتٍ تربويّة حاذقة لصياغة استراتيجيةٍ نحو مجتمعٍ رشيد، ويندغم من استراتيجيا الأمن الموضوع التعلمي والتربوي، وقد تفوّقت حكومات عديدة من أجل تطوير هذا المعنى والوصول إلى الهدف الأساسي وهو نبذ الإرهاب، لكن الأحداث تثبت أن للإرهاب حيله وطرقه ومخاتلاته. ثانيهما وهو الأكثر وعورةً وهو البحث عن «الجذر» للإرهاب. هناك اختلافٌ في ادعاء القبض على جذره على سبيل المثال وهو خلافٌ محتدم بين بعض المتخصصين التقليديين المُرشدين، وبين الأكاديميين والفلاسفة والمفكّرين، ثم ينقسم الفلاسفة أنفسهم بيْن التفاسير الجزئية الأخرى التي تتعلق بالجغرافيا والتاريخ وليس انتهاءً بالقناعات والتفسيرات.

غير أن وضع «معيار» لضبط الإنسان الإرهابي وغيره العادي المنضوي ضمن مجتمعه وقانونه ودولته لم يحسم بعد، وهذا مؤشرٌ خطير على مستوى «الهشاشة النظريّة» التي تورّط بها من يُنتظر منهم مقاربات أكثر دقةً وفعاليةً لئلا تبقى الظاهرة منفلتةً تهدد المجتمع وتجدد من طرقها في سبيل التحايل على المجال العام.

الخلاصة؛ أن الإرهاب، أما وقد تفوقت العديد من الدول في ضربه أمنياً وحصاره تربوياً وإرشادياً، فإن الكرة الآن بملعب الباحثين... أن يحاصروا الإرهاب نظرياً فمن دون هذا الطوْر من الجرأة فإن الإرهابي سيعاود ويكرر جرمه كلما وجد فرصته مواتية. فالإرهابي طوال الوقت يخطط لإيجاد درْب لتنفيذ الجريمة، وحين لا تكون ضربتنا الفكرية للإرهاب عنيفة وشاملة وساحقة، فإنهم بكل عدوانهم سوف يختالون بأنصاف العمليّات الناجحة لديهم معتبرين أن الدروب كلها ساحات متاحة لاستهداف البشر.

omantoday

GMT 13:21 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

صور غير تذكارية

GMT 13:20 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

استحضار الشاه عباس الصفوي اليوم

GMT 13:19 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

مقبرة الجميلة نفرتاري

GMT 13:17 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

السودان: فرصة الحوار

GMT 13:14 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

التقارب السوري ــ الليبي خطوة إيجابية

GMT 13:12 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

معركة إريتريا تحرِّك آلة الحرب الإثيوبية!

GMT 13:11 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

«تسي يوان» وحدة قياس المستقبل

GMT 13:09 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

التحالفات الإقليمية في مواجهة السردية الإيرانية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دروب الإرهاب وأسئلة «الجذر» و«المعيار» دروب الإرهاب وأسئلة «الجذر» و«المعيار»



أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 20:16 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 19:31 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك

GMT 17:07 2020 الجمعة ,28 شباط / فبراير

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك وانطلاقة مميزة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon