بقلم - حنا صالح
كل الطرق لاستعادة الدولة القادرة والعادلة، التي تحمي المواطنين وتبسط السيادة من دون أي «شريك»، تمر عبر احتكار السلطة القوة والعنف، وقاعدته: نزع سلاح «حزب الله» وكل سلاح لا شرعي، وكذلك تفكيك البنى التحتية العسكرية والميليشياوية، وبالأهمية نفسها تفكيك بنى منظومة الاقتصاد الأسوَد الموازية.
انهيار «مذكرة التفاهم» الأميركية - الإيرانية أدخل المنطقة حقبة شديدة الخطورة. فمع عمليات جراحية أميركية محسوبة، بدأت واشنطن الرد على القرصنة الإيرانية في مضيق هرمز بضربات قاصمة لتقويض قدرات «الحرس الثوري»، ولعزل الغرب الإيراني المطل على الخليج العربي بتدمير جسور تربطه بالداخل. واتسعت مروحة الخطوات الأميركية، التي تُرَمّد الأوراق الإيرانية، من لبنان إلى إيران وبالعكس، بحيث يضيق هامش الحركة أمام أتباع النظام.
مؤشر مهم جسّدته زيارة رئيس وزراء العراق، علي الزيدي، الولايات المتحدة، التي استنكرتها طهران، خصوصاً لجهة توقيتها أو لما رافقها من مباحثات عسكرية واتفاقات اقتصادية خصوصاً في مجال الطاقة، لتشكل معلماً في نهج يستهدف تحرير قرار بغداد وموقعها ودورها في الإقليم، رغم عمق «التأثير» الإيراني... ليضاف إلى هذا المؤشر قرارٌ كبير حدد نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل زمناً للخلاص من السلاح اللاشرعي في بلاد الرافدين.
ولئن كانت زيارة الرئيس اللبناني، جوزيف عون، الذي يلتقيه، اليوم الثلاثاء، الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في البيت الأبيض، تُكرس خروج لبنان من محور الخراب، وتحمل تبعات فصل لبنان نهائياً عن الفلك الإيراني، فهي تدشن مرحلة جديدة بين البلدين، أبرز عناوينها تنفيذ الالتزامات المتأتية عن «الاتفاق الإطاري» الثلاثي، بين لبنان وإسرائيل بشراكة أميركية. إنه الاتفاق الذي بدأ يضع في التطبيق التفاهمات التي تضمنها، وأهمها الانسحاب المتدرج لقوات الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية. وإذ شدد النص على «إعادة الانتشار»، فإنه أكد أن المنحى «إلى خارج الأراضي اللبنانية»، مُسقطاً بذلك «الحزام الأمني» وأخطاره... ليعلن كل ذلك عن إنجازٍ دبلوماسي بإلزام إسرائيل الانكفاء عن الجنوب في مقدمةٍ لإرساء استقرار مستدام.
ويبقى أبرزُ الالتزامات اللبنانية المضيَّ في تطبيق معادلة «الأرض مقابل السلاح»، أي لا سلاح في لبنان إلا سلاح القوى الشرعية. فاستعادةُ الأرض تعني إنهاءَ الاحتلال الإسرائيلي، ونزعُ السلاح اللاشرعي يُسقط «ورقة التوت» عن النفوذ الإيراني المقنّع، فيُستكمل التحرير. وغني عن البيان أن مجلس الوزراء أمّن الغطاء السياسي لهذا المنحى؛ إنْ من خلال البيان الوزاري، وإنْ عبر القرارات التاريخية بحصر السلاح، وحظر العمل العسكري والأمني لـ«حزب الله»، وقد قرر ترحيل عناصر «الحرس الثوري» بعدما ثبتت مسؤوليتهم عن حروبٍ مدمرة استدرجت الاحتلال مجدداً، بعد كارثة «إسناد» غزة.
وبقدر ما يُعول على حُسن التنفيذ لتأمين جوانب من متطلبات الثقة الأميركية بالسلطة اللبنانية، تدعم مرجعية هذه السلطة في القرارات السيادية؛ إنْ في بسط السيادة على الأرض، أو في بسط السيادة الاقتصادية والمالية، من خلال الركون للمحاسبة في ورشة الإصلاحات المالية والاقتصادية. ولأن «الاتفاق الإطاري» تضمن التزاماً أميركياً بالدعوة إلى مؤتمر مالي دولي لانتشال لبنان؛ فإن زمن التذاكي الذي أُطلقت فيه على «مَنْهَبَة العصر» تسميةُ «الفجوة»، بات على وشك الأفول؛ لأن الأرض لم تنخسف وتبتلع 200 مليار دولار، بل إن «المَنْهَبَةَ» هي ترجمة «فساد فلكي» ساد زمن التساكن مع الاحتلالات والسلاح اللاشرعي، وأفضى إلى انهيار مالي مبرمَج صنعته القوى النافذة المافياوية والميليشياوية. كل شيء تحت المجهر الأميركي كما مجهر الأشقاء والأصدقاء الذين يُعوِّل عليهم لبنانُ لدعم متطلبات إعادة إعمار ما هدّمته الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، وتالياً انتشال البلد ووضعه على سكة التعافي.
رغم التداخل بين الالتزامات والمهام، فإنَّ المرحلة الراهنة لا تقبل استمرار المراوحة ولا أي خلل في التنفيذ. لقد أثبت «الاتفاق الإطاري» متانته، ورسَم سياقات استعادة الدولةِ، القادرةِ لأول مرة على إنهاء الكانتون الطائفي الجنوبي باستعادة الجنوب إلى لبنان.
التحديات كبيرة، ومكلِّفٌ تجاوُز العقبات؛ مما يحتم يقظةً وحزماً حيال ما يمكن أن يفعله النظام الإيراني الذي يفتقر إلى قيادة موحدة، فيكابر في الهزيمة التي جلبها على إيران، وهو عاجز عن العودة إلى وقف النار على قاعدة التزامه ما تعهّد: فتح مضيق هرمز... فيحلم في لبنان بإطالة أمد الوضع الراهن، غير آبهٍ بتداعياته لجهة تعميق مآسي اللبنانيين. إن أولويةَ طهران، التي لم تطوِ صفحة «تصدير الثورة»، السعيُ لإنقاذ استثمارها في «حزب الله»، وليست حماية اللبنانيين ولبنان، وهي تبدو مسكونة بهاجس انتزاع «وقت مستقطَع» حتى تتمكن واجهتُها اللبنانية من ترميم بعض قدراتها، علّ ذلك يمكنها من إبقاء لبنان ساحةً مفتوحةً للصراعات الإقليمية... ويتعطل مشروع استعادة الدولة.
مرة أخرى: ما يقال عن اشتراط نزع السلاح اللاشرعي مقابل الانسحاب الإسرائيلي، ينبغي وضعه في إطاره الصحيح. لنضع جانباً ترهات «صمود» السلاح اللاشرعي... لقد غدر بلبنان، وبجنوبه خصوصاً، وأغرق البلد في هزيمة مروعة، وأنزل أخطر نكبة ببيئته. والمضادُ الحيويُّ لالتهابات هذا «الصمود» رفعَته أصواتُ الضحايا الذين حملوا نداءَي صُوْر والنبطية المطالبَين بالشرعية بديلاً لتلك المقاوَلَة و«حزبها»؛ حرصاً على المتبقي من بلدات وبيوت وأرزاق وذاكرة.