حلقة فرنسا الجهنمية

حلقة فرنسا الجهنمية

حلقة فرنسا الجهنمية

 عمان اليوم -

حلقة فرنسا الجهنمية

سوسن الأبطح
بقلم - سوسن الأبطح

من السذاجة اختصار الأزمة الفرنسية العميقة في عنف بعض المهاجرين وقلة أدبهم. ذلك تبسيط لا يقبله عقل. ثمة في بلاد النور ما ينطفئ ويذوي. هذا ما يراه الزائر بأم عينه، ويشعر به من اعتاد مقاهي سان ميشال الأنيقة وهي تستبدل بباعة الخضار والملابس البخسة. من المحزن أن المكتبات التي كانت رموزاً أغلقت واحدةً بعد الأخرى في الحي الطلابي التاريخي، وحلّت ماركات التجميل وباعة الإكسسوارات والتذكارات. لم يكن متصوراً أن تُغَطى واجهات الميلاد الفخمة في الشانزليزيه، وديكوراتها الفنية البديعة، في عزّ موسم الأعياد، ببسطات لبيع الشراشف والقبعات الصوفية، وألعاب الأطفال البلاستيكية.

فقر الناس في فرنسا لم يعد مجرد أرقام تتداولها الصحف ومراكز الأبحاث، بل أصبح واقعاً تراه في تراجع أناقة المارّة، وفي ملامح ركاب المترو البائسة، وعلى لوائح المطاعم الشعبية.

قد لا يلاحظ الفرنسيون التغيرات البطيئة، لكنهم يشتكون من تراجع الخدمات الطبية، وإفلاس المتاجر، وسوء حال المدرسة الحكومية التي كانت باستمرار موضع فخر المواطنين واعتزازهم، والمكان الذي تتشكل فيه الهوية الوطنية والانتماء للجمهورية، وتنصهر القيم العليا.

هذه المدرسة هي التي يخرج تلامذتها اليوم غاضبين ومحبطين بسبب إهمال المباني وغياب الأساتذة، وانسداد آفاق المستقبل. ولولا أن المعاناة عارمة وممتدة، لما لحقت بهم النقابات، وتضامن معهم طلاب الجامعات، وساندهم الأهالي والمتقاعدون. الشباب يثورون نيابةً عن كثيرين سئموا مظاهرات لم يجنوا منها، على مدار العقود، سوى الخيبة.

لو لم يكن الأمر جللاً لما خرج ما يقارب مليون شخص إلى الشوارع احتجاجاً. وفي الوقت الذي كانت فيه السلطات تظن أن فترة العطلة المدرسية ستكون استراحة للمحاربين، تبين أن لا شيء يُنسي التلامذة معاناتهم، أو يلهيهم عن مطالبهم.

توظيف قلق الشباب وعذابات الأسر في خطابات انتخابية كالتي يسوقها اليمين المتطرف، وتبسيط المطالب، واعتبار عشرات آلاف المخربين الذين هاجموا أملاك الناس، مجرد مهاجرين حاقدين على الحضارة البيضاء، هو إيغال في نكران واقع يحتاج إلى مراجعة جذرية لإنقاذ فرنسا من حالة نكران طال أمدها.

فرنسا دولة غنية بل من أكبر اقتصادات العالم، وتصنيفها الائتماني لا يزال جيداً، لكنها غارقة في دين تاريخي، ونموها بات صفراً بالفعل، وعجز الميزانية كبير، بينما تفشل المحاولات في قلب المعادلة. فالديمقراطيات وهي تتزلف رضا الناخبين تبقى قاصرة عن اتخاذ إجراءات غير شعبية، وقد تكون انتحارية.

تحتاج فرنسا إلى رفع سن التقاعد، وقد أصبح عدد متقاعديها كبيراً بالنسبة إلى دافعي الضرائب. وثمة من يرى أن تخفيض المعاشات التقاعدية، كما أجور العاملين، من الضروريات المؤجلة. وبالتالي فإن التراجع الديموغرافي يدفع حتماً إلى استقبال المهاجرين الشباب الذين يريد المتطرفون اليمينيون اعتبارهم العبء الأكبر.

كل الحلول تحتاج إلى كسر دوائر عديدة مغلقة. من ذلك، فإن حالة الرخاء والخدمات الاجتماعية السخية والتعويضات الأسرية لا يمكن أن تدوم، مع ميزانيات تقشفية مقبلة، مما سيخلق المزيد من الاضطرابات.

فرنسا ليست مفلسة، لكنها عاجزة عن تمويل نموذج اجتماعي مدلل، لا تستطيع الاستمرار فيه ولا تملك شجاعة مواجهة مواطنيها بالتراجع عنه.

إنما في شتى الحالات، الوضع يتقهقر، و13 في المائة من الفرنسيين يقولون إنهم لا يحصلون على حاجتهم من الطعام، والوضع أسوأ بين الطلاب. عديد من هؤلاء بعد تسديد فواتير الإيجار والمواصلات، ورغم المطاعم الطلابية شبه المجانية، يضطرون إلى التخلي عن بعض الوجبات، لضيق ذات اليد، أو لصعوبة التنقل.

التقشف الاضطراري، لن يقتطع من حصص الأغنياء، وهذه مأساة في أماكن كثيرة من عالم بلا رحمة، بل سيكون على حساب فقراء الطلاب، وبسطاء الموظفين، ومرضى المتقاعدين.

المظاهرات مستمرة، ليس في فرنسا وحدها، بل في أنحاء أوروبا، حيث المشكلة عينها، بوجوه مختلفة. لكن ونحن نتحدث عن فرنسا، من المؤسف أن الحكومة تبدو كأنها تصرّف أعمال، والانتخابات لن تأتي قبل ستة أشهر، فيما الشارع يغلي، والمطالب تحتاج إلى المليارات السريعة والحاسمة، أما الخزائن ففارغة.

أضف إلى كل هذا زيادة مخصصات الإنفاق العسكري، مع تبخر مظلة «الناتو»، وإصرار فرنسا على أن الحرب مع روسيا آتية لا محالة، ولا بد من التسلح، وهي لا تملك ما يكفي من المال والشباب. إنها مسألة استنزاف ذاتي، بعد أن خسرت أوروبا الطاقة الروسية الرخيصة، وتتحمل عبء ارتفاع الأسعار، وغضب الأجيال.

«حرية، إخاء، مساواة» شعار الثورة الفرنسية الجميل، لا يزال الطلاب المحتجون يحملونه في قلوبهم، ويقولون إنهم درسوا مبادئ دفع الظلم وانتزاع الحقوق في المدرسة التي يطالبون اليوم بأن يستعيدوا أركانها كاملة ومهاراتها كما كانت، فهل هذا لا يزال ممكناً؟

omantoday

GMT 21:00 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

أعداء الضوء

GMT 20:59 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

العراق يقول: لا حوثي لديّ

GMT 20:57 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الحرب الإيرانية المستمرة على العرب!

GMT 20:56 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... مجتبى ونصيحة كوليريدج

GMT 20:54 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كيف أخفقت الأمم المتحدة في إنقاذ الأجيال من الحروب؟

GMT 20:53 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الحرب ومستقبل لبنان الكبير

GMT 20:51 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

المخرج والنجوم.. المسموح والممنوع!!

GMT 20:49 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

دعم السعودية وحق المصريين فى الفهم

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حلقة فرنسا الجهنمية حلقة فرنسا الجهنمية



الفستان الأبيض بديل الاختيارات الداكنة في سهرات الخريف

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 08:03 2026 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

16 شوطاً تحسم منافسات سباق الهجن في أدم بمحافظة الداخلية

GMT 09:52 2025 السبت ,05 إبريل / نيسان

طريقة عمل تتبيلة أجنحة دجاج

GMT 15:47 2026 السبت ,03 تشرين الأول / أكتوبر

إيران تحكم بسجن إلناز شاكردوست عاماً وتمنعها من النشاط

GMT 23:14 2021 الأربعاء ,17 آذار/ مارس

سوزوكي تختبر جيمني بقاعدة العجلات الطويلة

GMT 19:02 2025 الأربعاء ,09 إبريل / نيسان

تعزيز جهود تطوير سوق العمل في محافظة ظفار

GMT 16:43 2023 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

خبير طبي يؤكد أن التدفئة مهمة جدًا للأطفال الخدج
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon