الغرب مشكلةٌ للعالم ولنفسه

الغرب مشكلةٌ للعالم ولنفسه!

الغرب مشكلةٌ للعالم ولنفسه!

 عمان اليوم -

الغرب مشكلةٌ للعالم ولنفسه

رضوان السيد
بقلم - رضوان السيد

متى تبدأ التساؤلات المتعلقة بالذهنيات والأفكار؟ قبل متغيرات الواقع أم بعدها أم أنها تقترن؟ إذا التفتنا لتطبيق ذلك على حالات غربية بالذات نجد أن شبنغلر الذي نشر كتابه: «انهيار الغرب» (1913) بعد أن عمل عليه سنوات عدة، أنكره عليه زملاؤه ملاحظين السلام الطويل الذي ساد بأوروبا والتقدم بعد حروب توحيد ألمانيا، بيد أن المخاوف والتوجسات الشبنغلرية مع أنها ذات طابع حضاري ما لبثت أن تحققت بنشوب الحرب العالمية الأولى. والحالة الثانية التي يمكن ذكرها في هذا السياق، ثوران طلاب أوروبا وفي الطليعة شباب الجامعات الألمانية والفرنسية في عام 1968. كانت الرأسمالية في أزهى فتراتها وبخاصةٍ في ألمانيا، لكنّ ذلك لم يَحُلْ دون استشعار الشباب المتمركسين بالقلق وعدم التوازن. ومضت الموجة الأوروبية الساخطة باتجاه جامعات الولايات المتحدة، وهؤلاء كانت في بلادهم مشكلات حقيقية ظاهرة للعيان؛ تطبيق قوانين المساواة المدنية بعد ثوران السود، والحرب الأميركية الشرسة على فيتنام للحيلولة دون سيطرة شيوعيي الشمال على سايغون.

إنّ ما أُريد الحديث عنه هذا الأسبوع بعد التشاؤم الأوروبي والأميركي، هو بشأن الانحطاط وليس بشأن الانهيار، وهو يأتي من الجهة المقابلة، أي من الآسيويين والأفارقة، ومن المفارقات أن هؤلاء الثائرين على الغرب معظمهم من الأساتذة بالجامعات الأميركية والبريطانية ومن أصول هندية ومن أميركا اللاتينية والعرب، ويُعتبرون من الناجحين في جنة الغرب التي يتمردون عليها! وبالطبع، أول ما يخطر بالبال إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» (1977) الذي نعى على هذا التخصص دوغمائياته وانحيازاته ودأبه على صناعة صورةٍ مزيفةٍ عن الإسلام والعرب، تتلاءم مع طموحات الغرب ومسبقاته الكولونيالية. حصل كتاب سعيد على ترحيبٍ هائل من سائر الجهات ومن الجامعات في أميركا وأوروبا. وجاءت النقدات من جهتين؛ جهة أنصار الاستشراق مثل برنارد لويس، ومن جهة الكبار في التخصصات الأخرى مثل الفلسفة والأنثروبولوجيا والتاريخ وعلم الاجتماع. برنارد لويس أنكر أن يكون المستشرقون في معظمهم متعصبين على العرب والإسلام، وذكر كم نشروا من النصوص والبحوث وطوّروا من مشاريع الفهم. أما أهل الاتجاه الآخر، فقالوا إن الاستشراق اهتمام فرعي وهامشي وليس أصلاً أصيلاً في العلوم الإنسانية الغربية. ولم يأبه سعيد بحملة برنارد لويس؛ لكنه تحت وطأة الحملة الثانية سارع لنشر كتابه بعنوان: «الثقافة والإمبريالية»، حيث ذهب إلى أن كل العلوم الإنسانية ذات صبغةٍ استعمارية بشكلٍ من الأشكال.

أما النقد الجذري الآخر للحضارة الغربية والذي صار سائداً في السنوات الأخيرة، فقد قاده الأنثروبولوجي المعروف طلال أسد في الكتاب الذي حرّره عام 1974 بعنوان: «مواجهات كولونيالية». سعيد كان يرى أنّ المستشرقين خانوا تقاليد وقيم التنوير، ولو ظلّوا أُمناءَ لها لما وقعوا في دوغمائيات صناعة الصُوَر الزائفة لخدمة الاستعمار! أما الأنثروبولوجيون والمؤرخون الذين تابعوا الحملة الجذرية فيما بين السبعينات وأواخر القرن العشرين مثل غوها وسبيفاك وطلال أسد، فقد اعتبروا المشكلة في تقاليد التنوير وقيمه وفلسفاته التي سادت في التفكر الغربي، لكن ظلت ممارساتها قاصرة على الغرب في زمن الاستعمار وما بعده. أما في العقود الأخيرة، فقد صارت نفاقاً وخراباً على العالم كله عندما انتهى التكاذب. وهذا منطق التيار الفكري والثقافي والسياسي المعروف بتيار التابع Subaltern: فهل يستطيع التابع أن يتكلم؟ بالطبع لا؛ لأنّ اللغة المسماة «علمية» هي لغةٌ مسيطرٌ فيها وعليها وليس في المصطلحات فقط، بل وفي المفردات أيضاً. والدليل على ذلك عالم «الاستعارة» الذي اهتمّ به الأُدباء والمفكرون الفرنسيون والأميركيون والذي يريد السيطرة أيضاً على المتخيَّل بالمعنى الأرسطي، والتأويلات اللسانية الحديثة. وعندما يحمل هؤلاء حتى على المتخيل الغربي فهُم يقصدون ليس الفلسفة والتاريخ مثلاً، بل ويقصدون أيضاً الفن الروائي والرسم وسائر الفنون ووسائل التواصل واستعبادات الذكاء الاصطناعي كما يسمونها!

هل هي تيارات فكرية خاب أملها في الغرب كما خيب الغرب آمال وتوقعات بعض المفكرين الغربيين، أم أنّ رؤاها السلبية تتأثر بالأحداث؟ تيار التابع في الأصل رؤية وفلسفة مهجوسة باستمرار الاستعمار حتى في العلوم. لكن في أحداث غزة الأخيرة انحاز عشرات منهم عرباً وغير عرب لفلسطين. إنما المشكلة أننا نحن الذين نحمل على الاحتلال الإسرائيلي بمصطلحات القانون الدولي الإنساني، وميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، نجد أنفسنا مختلفين مع مفكري تيار التابع الذين لا يقبلون هذه الإنشائيات بحجة أن الغرب نفسه الذي اخترعها ما عاد يقول بها، وإلاّ لما حصلت المذبحة!

omantoday

GMT 19:02 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

لِمَ لا نتعامل مع الحوثي بدلاً من محاربته؟

GMT 19:00 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

خنساء كندا

GMT 18:57 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الصين واليمن... من جديد

GMT 18:54 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

التسابق على استهداف الدول العربية!

GMT 18:52 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

نزوة الإبادة المتأصلة

GMT 18:50 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... حزمة من المشكلات

GMT 18:47 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

وجعنا السنويّ مع «نوبل»...

GMT 18:44 2026 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مؤشر الحركة في نوبل

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الغرب مشكلةٌ للعالم ولنفسه الغرب مشكلةٌ للعالم ولنفسه



أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 19:34 2020 الخميس ,28 أيار / مايو

حاذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 16:53 2020 الجمعة ,28 شباط / فبراير

تزداد الحظوظ لذلك توقّع بعض الأرباح المالية

GMT 10:49 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

GMT 20:52 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يتيح أمامك هذا اليوم فرصاً مهنية جديدة

GMT 18:02 2020 الجمعة ,28 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 09:44 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعه 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج الجدي

GMT 16:15 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

يحمل إليك هذا اليوم كمّاً من النقاشات الجيدة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon