بقلم - خالد منتصر
عندما تكون لدينا فرصة لمنع سرطان قبل ظهوره، ونجعله رفاهية اختيارية، هنا يصبح تأخير الوقاية سؤالاً ملحاً عن أولوياتنا الصحية، فلقاح فيروس الورم الحليمى البشرى «HPV»، المعروف بلقاح سرطان عنق الرحم، واحد من أهم إنجازات الطب الوقائى، فهو يمنع العدوى بأنواع فيروسية مسئولة عن الغالبية الساحقة من حالات هذا السرطان، لكنه لقاح للوقاية، وليس علاجاً لورم نشأ بالفعل، ولا بديل عن الفحص الدورى للكشف المبكر، المسحة التى نهملها هى أيضاً.
أظهرت دراسة فى إنجلترا انخفاض معدلات سرطان عنق الرحم بنسبة ٨٧٪ لدى الشابات اللاتى أُتيح لهن التطعيم فى عمر الثانية عشرة والثالثة عشرة، مقارنة بأجيال لم يُعرض عليها اللقاح، هذه نتيجة تعنى نساءً تجنبن جراحات وعلاجاً وألماً، وأُسراً لم تضطر إلى مواجهة خبر السرطان، ويُفضَّل التطعيم مبكراً، خصوصاً للفتيات بين التاسعة والرابعة عشرة، قبل التعرض للفيروس، كما يستفيد الأولاد، لأن الفيروس يسبب أيضاً سرطانات الشرج والقضيب وبعض سرطانات الحلق.
ويمكن للقاح التساعى الوقاية من نحو ٩٠٪ من السرطانات المرتبطة بالفيروس، وهو لقاح يحمى من ٩ أنواع من الفيروسات، واسمه التجارى جارداسيل 9، ولا بد أن نفهم أن حماية الطفل اليوم استثمار فى صحته بعد عشرات السنين، وليست حكماً على سلوكه أو توقعاً لحياته الخاصة.
ومن الأمثلة المهمة الأرجنتين، حيث إن تطعيم الفتيات والأولاد فى الحادية عشرة مجانى وإلزامى، وتشيلى، حيث يدخل ضمن التطعيم المدرسى الإلزامى، وفى المقابل، هناك دول مثل فرنسا تقدمه عبر حملة مدرسية بموافقة الأهل، فى مصر اللقاح غير مدرج فى البرنامج القومى للتطعيمات، ولا توجد حملات قوية للترويج لأهميته، والحصول عليه يعتمد على الدافع الشخصى، وهناك أوهام ونقص معرفة ومخاوف بشأن الأمان والفاعلية والتكلفة، واعتراضات مرتبطة بتصورات أخلاقية أو دينية.
المطلوب أن تصبح الوقاية حقاً متاحاً لكل طفلة، عبر برنامج قومى مجانى، وتوعية واضحة، وتطعيم مدرسى يصل أيضاً إلى الفتيات خارج التعليم، ويجب توفير اللقاح، هدف منظمة الصحة العالمية تطعيم ٩٠٪ من الفتيات قبل الخامسة عشرة، مع الفحص والعلاج، ولدينا وسيلة تمنع مأساة، والمسئولية أن نوصلها إلى من تحتاجها، قبل أن تتحول فرصة الوقاية إلى رحلة علاج مؤلمة.