طواويسُ الجمال والدهشة

طواويسُ الجمال والدهشة

طواويسُ الجمال والدهشة

 عمان اليوم -

طواويسُ الجمال والدهشة

بقلم: فاطمة ناعوت

حين يبسطُ الطاووسُ ريشَه فى استعراضٍ مسرحىٍّ بديع، فإنه يُجسّدُ إحساسًا عميقًا بفرادته وتفرّده عن سائر الطيور. والمدهشُ أن لا طاووسَ يشبه طاووسًا، فكلُّ طاووسٍ يختصُّ بخريطةٍ لونيةٍ وشكليةٍ لا تتكرر، مما يجعله أيقونةً خالدةً للجمالِ والنخبويةِ عبر العصور.

اليومَ عيدُ ميلاد أحد طواويس مصرَ الفريدة. اقرأوا معى هذه الكلمات: «محمد عبدالوهاب فنانٌ عبقرى، لو أنَّ اللهَ خلقَه فى أىِّ عصر، أو أى مكانٍ، لكان مخلوقًا فذًّا. يؤمنُ تمامًا بأن مكانَه الطبيعى بين صفوف الزعماء. استطاعَ بفضل فنّه أن يكتبَ اسمَه بحروفٍ كبيرة فى التاريخ».

هذا الرأىُ، الذى لا شكَّ فى صوابه، عن الموسيقار العظيم «محمد عبدالوهاب»، ليس من كلماتى، ولا هو مقتبسٌ من ناقدٍ موسيقىٍّ أو مؤرخ مُنصِف، ولا هو تعريفٌ استقيتُه من إحدى الموسوعات لأصفَ به عظيمَ النغم، فى عيد ميلاده اليومَ 13 مارس، إنما المدهشُ حقًّا أن كاتبَ هذى الكلمات هو آخرُ شخصٍ يمكن توقّعه... إنه «عبدالوهاب» ذاته!

المناسبة: عام 1950، طلبتْ مجلةُ «الكواكب» من الموسيقار الكبير أن يكتب شهادةً عن نفسه فكتبَ ما سبق! وصدّرتْ د. رتيبة الحفنى كتابَها: «عبدالوهاب، حياتُه وفنُّه»، بتلك الشهادة.

والحقُّ أننى اندهشتُ! لا من النرجسية ذاتها؛ فكلُّ مبدعٍ يحملُ منها قدرًا، بل من جسارة إعلانها! ذلك أنَّ المبدعَ يتعمَّدُ إظهارَ التواضع، ولو اصطناعًا، ليجعلَ كلماتِ التقدير تأتى على لسان الآخرين، فيكون الحقُّ ما شهدَ به الآخرون.

وقد ميّزتِ العربيةُ بين ألوان الإعجاب بالنفس. فلدينا: النرجسيةُ، الغرورُ، التعالى، الاعتدادُ بالنفس، حبُّ الذات، الثقةُ بالنفس، الأنا المتضخمةُ، الأثرة، التكبّر، نفى الآخر، وغيرها من ألوان رؤية الذات وإقصاء الغير. على أن ما أعنيه هنا لا ينتمى بحالٍ إلى تلك القائمة الشائكة. إنها شىءٌ طفولىٌّ نبيل. هى طاووسيةُ الفنّان؛ التى تجعله يرى نفسَه مختلفًا وجميلًا. وهى ضرورةٌ لصناعة الجمال. فلو أنه قَبِلَ أن يرى نفسَه عاديًّا، لقَبِل، بالتالى، أن يُنتجَ شيئًا عاديًّا. لكنْ مَن يرى نفسَه جميلًا يعيشُ فى قلق دائم على هذا الجمال؛ يخشى زوالَه خشيتَه الفناء، فيأبى إلا أن يُقدّمَ المدهشَ المائزَ الفريد. ونحن نقبلُ طاووسيةَ المبدع، مادامت أداةَ إبداعِه، ومن ثم سببَ مُتعتنا.

لهذا أحببنا نرجسيةَ المُغادِر الجميل «محمود درويش» حين كان يختالُ ويتدلّلُ ويفرُّ من الصحافة والمعجبين، وفتنتنا طاووسيةُ «أحمد عبدالمعطى حجازى» وهو يلقى قصائدَه كمايسترو؛ عصاهُ يدُه؛ تُطوِّعُ «الحَرفَ» نَبْرًا وقَطْعًا وحركةً وسُكونًا وإدغامًا وإشباعًا، فيخرجُ مشحونًا بالغناء. واحترمنا طاووسيةَ «أينشتين» حين أوصى بتحليل ووزن مخّه بعد وفاته للوقوف على سر عبقريته، تمامًا مثلما ابتسمنا بمحبة لقول «المتنبى»، عن نفسه: «سيعلمُ الجمعُ مِمَن ضمَّ مجلِسُنا/ بأننى خيرُ مَنْ تسعى به قدمُ/ أنا الذى نظرَ الأعمى إلى أدبى/ وأسمعتْ كلماتى مَن به صَمَمُ/.../ كَمْ تطلبونَ لنا عيبًا فيُعجِزُكم/ ويكرهُ اللهُ ما تأتون والكرمُ/ ما أبعدَ العيبَ والنقصانَ عن شرفى/ أنا الثريا وذان الشيبُ والهِرَمُ».

لذلك نقبلُ ونُثمّنُ ما قاله الموسيقارُ «عبدالوهاب» عن نفسه، مادام قد ملأ حياتَنا جمالًا وعذوبةً، وطالما ظلُّ لنا أبدًا مُلهمًا لا يخبو. ذاك أن «الطاووسية» التى ميّزته لم تكن غرورًا، بل محفزٌ دائمٌ لتطوير أدواته واستشراف الجديد. لقد أدرك، بفراسته، أن البقاء فى القمة يتطلب ثنائية: الإيمان بالذات، والإصرار على التجديد. لهذا لم يتوقف عند حدود التلحين، بل حرص على تطوير معرفته الموسيقية، فدرس الموشحات والأوبرا والموسيقى الغربية، وامتلك حسًّا استشرافيًا نادرًا جعله يُقدِّم لونًا حداثيًا متفرّدًا فى زمنٍ كان محافظًا على القوالب التقليدية.

ولم تكن طاووسيةُ «عبدالوهاب» نزعة فردية، بل كانت تيارًا سرت عدواه فى جيله. فمثلما هو طاووسُ الموسيقى، كان «العقادُ» طاووسًا فى الأدب والفكر، ذا ثقة صلبة فى آرائه، حتى وصف نفسه بأنه «عالمُ عصره» فى الفكر. كذلك كان «نجيب محفوظ»، رغم هدوئه وبساطته، يدركُ أنه يكتب للتاريخ، لا للحاضر فحسب، فحافظ على أسلوبه الفريد دون أن يتنازل للذائقة السائدة.

ويبقى السؤال: هل يمكن أن يكون الفنانُ أو الأديب متواضعًا؟ وهل ثمة عبقرية دون اعتداد بالنفس؟ الواقعُ يؤكد أن العباقرة الذين تركوا بصماتهم على وجه التاريخ كانوا يحملون ذلك المزيج الفريد من الثقة والرؤية النقدية لأنفسهم، وهى معادلة دقيقة. فمن دون الثقة بالنفس، لا تأتى الدهشةُ، ومن دون «النقد الذاتى» يصيرُ المبدعُ نسخةً شوهاءَ من نفسه. وأدرك «عبدالوهاب» ذلك، فكان يعيد النظر فى أعماله مرارًا، حتى بعد نجاحها، وكثيرًا ما حذف أو عدّل ألحانًا حتى تصل إلى ذروتها الجمالية.

وهنا تكمن المفارقة: الطاووسيةُ لا تعنى الجمود، بل الإيمان بالجمال والسعى المستمر نحو الكمال، وهنا سرُّ خلود أولئك العمالقة. كل سنة وأنت جميلٌ يا مايسترو.

omantoday

GMT 20:15 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

ثلاثة مسارات كبرى تقرّر مستقبل الشّرق الأوسط

GMT 20:12 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

لا تعزية حيث لا عزاء

GMT 20:11 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

حطب الخرائط ووليمة التفاوض

GMT 20:10 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

خرافات العوامّ... أمس واليوم

GMT 20:08 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

لماذا فشلت أوسلو ويفشل وقف إطلاق النار؟

GMT 20:08 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

الخصوصية اللبنانية وتدوير الطروحات المستهلكة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

طواويسُ الجمال والدهشة طواويسُ الجمال والدهشة



تنسيقات مثالية للنهار والمساء لياسمين صبري على الشاطيء

القاهرة ـ عمان اليوم

GMT 00:00 2020 الإثنين ,07 كانون الأول / ديسمبر

يجعلك هذا اليوم أكثر قدرة على إتخاذ قرارات مادية مناسبة

GMT 09:44 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعه 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج الجدي

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 16:24 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 04:52 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الجدي الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 21:50 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 18:09 2020 الجمعة ,28 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 09:54 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج الحوت

GMT 16:45 2019 الخميس ,04 إبريل / نيسان

أبرز الأحداث اليوميّة عن شهر أيار/مايو 2018:

GMT 04:47 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج القوس الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 21:47 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 05:24 2023 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 23:57 2020 الأحد ,06 كانون الأول / ديسمبر

ينعشك هذا اليوم ويجعلك مقبلاً على الحياة

GMT 19:30 2020 الخميس ,28 أيار / مايو

ينعشك هذا اليوم ويجعلك مقبلاً على الحياة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon