«فتح» مؤتمرها ومعضلاتها

«فتح»... مؤتمرها ومعضلاتها

«فتح»... مؤتمرها ومعضلاتها

 عمان اليوم -

«فتح» مؤتمرها ومعضلاتها

نبيل عمرو
بقلم - نبيل عمرو

لا تزال «فتح» رغم كل ما تعرّضت له من حروبٍ وانشقاقاتٍ وخروجٍ من جغرافياتٍ بالغة الأهمية الاستراتيجية، هي العنوان السياسي الأبرز للحالة الفلسطينية، وكما وصفها مؤسسها وعرّابها ياسر عرفات، فلا هي حزبٌ ولا حركةٌ سياسية، ولا نظامُ قيادة وحكم، وحين سألته: إذن، ما هي؟ أذهلني بإجابةٍ لا يقدر عليها غيره... «هي كل ذلك».

وهذا التوصيف الدقيق لـ«فتح»، يدلّ على معرفةٍ عميقةٍ بها، فقد كان عاملاً جوهرياً في استفراد عرفات بالرمزية القوية والقيادة الفعلية في الوقت ذاته، كان يعرف «فتح» فرداً فرداً، ويعرف كيف يسوسها، ويربط مكامن القوة فيها به مباشرةً؛ ما أدّى إلى أن أحداً لم يقوَ على منافسته في القيادة، لا من «فتح» ولا من خارجها، مثلاً... حين كان جورج حبش يُعدُّ الزعيم اليساري الذي يجسّد قطباً معنوياً وعقائدياً في الثورة الفلسطينية، خاطب عرفات قائلاً: «نختلف معك ولا نختلف عليك»، وكان هذا القول المعزز بالسلوك والفعل بمثابة تزكيةٍ لقيادته ولمرجعيته الوطنية، أمّا من كان يسمّى الرجل الثاني، صلاح خلف (أبو إياد)، فقد تجنّب مع قوة شخصيته وغزارة مواهبه القيادية، أيّ سلوكٍ يوحي برغبةٍ في منافسته على الموقع الأول، وقيل عنه إنه بالنسبة إلى عرفات مصدر حذرٍ دائم واعتمادٍ دائم وتوأمةٍ دائمة.

تعّودت «فتح» وجميع فصائل العمل الوطني، على مختلف اجتهاداتها السياسية والفكرية، على قطبية عرفات - خلف، وتعاملت معها كظاهرةٍ إيجابيةٍ تنطوي على ضماناتٍ حقيقية لترسيخ وحدة العمل الفلسطيني، واحتواء كل ما كان يعتريها من انشقاقاتٍ وتمايزاتٍ في المواقف والعلاقات والتحالفات.

كانت المؤسسة الوطنية العليا التي يقود بها عرفات و«فتح» الساحة الفلسطينية، وهي منظمة التحرير، تضمّ تجمّع مندوبين للعديد من الدول العربية، وخصوصاً تلك الساعية للاستيلاء على القرار الفلسطيني، من داخل مؤسسته الشرعية الجامعة، مثل سوريا والعراق وليبيا، وهذه الحالة برهنت عن قدرات عرفات في التعامل معها، وقدرات تاريخيّي «فتح»، خلف والوزير والقدومي والحسن، في الحفاظ على قدرٍ كافٍ من مساحة حرية واستقلالية منظمة التحرير، وحمتها من فقدان قرارها السياسي، ذلك رغم كل ما امتلك الساعون إلى تجريدها منه، من إمكاناتٍ أهمّها الجغرافيا والمال والجيوش، ومن ينسى الانشقاق الكبير الذي حدث بعد الخروج من بيروت، حين تضافرت الجغرافيا السورية مع المال الليبي، لإنهاء ظاهرة المنظمة وزعيمها عرفات، وشركائه في القيادة من التاريخيين المؤسسين.

وكادت «فتح» تتلاشى من داخلها ومن حولها، إلا أنها تجاوزت ذلك الحدث المفصلي بتأكيد حضورها ومواصلة دورها القيادي في الساحة الفلسطينية، وتجديد اعتماد العرب والعالم لها، ممثلاً وحيداً للشعب الفلسطيني، من خلال منظمة التحرير.

معضلة «فتح» أن التاريخيين الكبار المؤسسين استشهد ثلاثةٌ منهم في أوقاتٍ متقاربة، خلف والوزير والحسن؛ ولكي تكتمل المعضلة استشهد العسكري الأول والأهم فيها سعد صايل (أبو الوليد)، الذي كان اغتياله بمثابة إعدادٍ للانشقاق الكبير ورهانٍ على تمزيق القوات الفلسطينية التي تجمعت في البقاع اللبناني، وامتداده في الجغرافيا السورية.

بقي عرفات على قيد الحياة والعمل، وبعد أن استعاد وحدة «فتح» والمنظمة والساحة الفلسطينية، دخل إلى مجازفة العمل السياسي مع إسرائيل، وأبرم مع من تبقى من القيادة التاريخية (محمود عباس) اتفاق أوسلو، وعادا معاً إلى جزءٍ يسيرٍ من الأرض الفلسطينية، لا يتجاوز العشرة في المائة من مساحتها القليلة أصلاً، ليواجها سلسلة معضلاتٍ بعضها سياسي، من خلال تعثّر مسار الحل المفترض والمتفق عليه، وبعضها الآخر حربيٌ وأمني، قاده الثنائي الشرس آرييل شارون وبنيامين نتنياهو؛ ما أنتج معضلاتٍ كبرى لا تزال الحالة الفلسطينية تعاني منها، وحتى من كان يُفترض بأنه الشريك كما كان يحب عرفات وصفه وهو إسحق رابين، فقد نُفّذ فيه حكم إعدامٍ وهو يغنّي للسلام الموعود في ميدان ملوك إسرائيل.

وفي عمق المجازفة المحفوفة بالمخاطر، واحتمالات الانهيار، وجد عرفات نفسه عارياً عن شركاء إسرائيليين لصنع التسوية معهم، وعارياً كذلك عن تدخلٍ أميركيٍ فعّال، لوقف زحف الثنائي شارون ونتنياهو، على ما أُنجز من «أوسلو» نحو تقويضه، وحين اندلعت الانتفاضة الثانية حوصر عرفات في المقاطعة إلى أن توفاه الله في باريس بعد أن جرى تسميمه.

ما أصعبها من معضلة، حين يغيب رجلٌ بمكانة ومواهب عرفات، المشهود له بتجاوز أصعب المضايق، والنجاة من أعتى الأعاصير، ومنذ غيابه، وقد مرّ على ذلك سنواتٍ طويلة، دخلت الحالة الفلسطينية نفقاً مظلماً، وكان منطقياً أن تكون «فتح» أكثر المتضررين من غياب العرّاب الذي تعوّدت عليه وعلى أساليبه المتفردة في الاحتواء والقيادة بما يقارب نصف قرن.

وها هي «فتح» المثخنة بالانشقاقات والأزمات، والمسؤولة عن شعبها الذي لا يكفّ عن مطالبتها بإخراجه من مآزقه ومعضلاته، تحاول ترميم ذاتها في ظروفٍ أصعب، وفي غياب روافع عربيةٍ وإقليميةٍ ودولية، كانت دائماً متوفرةً لها، فهل تجد السبيل للخروج من الحالة الصعبة المكتظّة بالمعضلات إلى ما هو أفضل منها؟

هذا هو السؤال المطروح عليها وعلى مؤتمرها الثامن وعلى شعبها.

omantoday

GMT 00:28 2026 الثلاثاء ,05 أيار / مايو

إيران بين التفتيت والتغيير

GMT 00:26 2026 الثلاثاء ,05 أيار / مايو

لماذا ليس نتنياهو؟

GMT 00:25 2026 الثلاثاء ,05 أيار / مايو

أنف أبي الهول وآثار الرقّة

GMT 00:23 2026 الثلاثاء ,05 أيار / مايو

«حزب الله» ومقاومة حالة السأم اللبناني

GMT 00:20 2026 الثلاثاء ,05 أيار / مايو

عن نكبة الشيعة ولبنان والمسؤولية!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«فتح» مؤتمرها ومعضلاتها «فتح» مؤتمرها ومعضلاتها



أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon