بقلم - جبريل العبيدي
حظ منكود يجمع ليبيا والسودان، إذ ابتلي البلدان بالفشل السياسي النخبوي، الذي أخفق في كلا البلدين في النهوض بتنمية مستدامة وتحقيق رغد العيش، رغم وجود موارد طبيعية وثروات ضخمة تحتاج إلى من يُحسن استخدامها، فليبيا الغنية بالنفط والغاز وثروات طبيعية أخرى، تعاني من تدني مستوى المعيشة والخدمات الصحية والتعليمية والانقسام السياسي والحروب المتكررة، والسودان، جارها وشقيقها، يعاني هو الآخر، وهو الغني بالموارد الطبيعية، وبالماء، والأرض الخصبة، التي لو زرعت لكفت ثلثَ العالم من الغذاء، فالسودان حباه الله بنهرين هما نيلان، لا نيل واحد، ومع كل هذا يعاني شعبُه من الفقر والجوعَ والعطش وجاءت الحرب لتزيد الصاع صاعين.
كل هذا يعكس حالة من الفشل النخبوي في البلدين، فشل في النهوض بالبلدين بتنمية مستدامة، في ظل توفر الموارد البشرية والمادية في كليهما، وهذا الفشل زاده حدَّةً الاختصامُ والتشظي السياسي والتناطح على السلطة.
ليبيا منقسمة سياسياً منذ عام 2014 إلى حكومتين وبرلمانين، ولم يكن هناك أي تحسن في المنظومة الصحية، بل هناك شبهُ انهيار فيها. ناهيك عن انقطاع وقود البنزين والديزل، حيث تقف السيارات في طوابير طويلة في بلد يسبح فوق احتياطي نفطي هائل، مما يؤكد عجز المؤسسات الليبية في تطوير حتى قطاع النفط، المصدر الوحيد للدخل في ليبيا، الذي يعتمد اقتصادها عليه وتحول إلى اقتصاد ريعي لا إنتاجي، يتلقَّى الناس فيه رواتب شهرية دون طاقة إنتاجية من أي نوع، مما جعلها أشبه بالهبات في بلد إنتاجه الصناعي لا يتعدى الواحد في المائة.
نتحسر اليوم على ليبيا التي كانت تصدر القمح والشعير والفاكهة من العنب والتفاح والبرتقال والزيتون وحتى المواشي إلى إيطاليا، عندما كانت فيها حكومة رشيدة وملكٌ يخشى الله في شعبه، أصبحت ليبيا اليومَ بسبب الفشل النخبوي تنتج الحكوماتِ حتى أنتجنا الحكومة الثالثة في ظل تنافس حكومتين متنازعتي الشرعية في البلاد. لكأن النفط غدا نقمة لا نعمة لهذا الشعب، مما جعله مصدراً للمطامع الخارجية والتآمر. فليبيا منذ عام 1969 وحتى عامنا هذا ترزح تحت الحصار وحروب خارجية وداخلية، في ظل فشل النخبة السياسية، طيلة هذا المدى الزمني الكبير، في إنجاز مشروع يمكن أن يكون مشروعاً تنموياً، باستثناء مشروع النهر الاصطناعي الذي يعتبر فعلاً أهم إنجاز لا يمكن إنكاره ولا القفز عليه، فهو من أكبر المشاريع التنموية لنقل المياه من الصحراء البور إلى الشمال واستثمارها في الزراعة، وتحقيق مصدر دخل جديد، ولكن رغم اكتمال المشروع منذ عشرين عاماً لم تقم عليه أي مشاريع زراعية ولا صناعية، وتحول هذا الإنجاز العظيم إلى مجرد مشروع نقل مياه للشرب والسباحة، وأحياناً لغسل السيارات وإهدار المياه العذبة، في بلد يعاني من ندرة المياه قبل مشروع النهر الاصطناعي، والذي ينبع من بحيرات في الصحراء الكبرى الليبية عمرها يقدر بآلاف السنين.
وبالعودة إلى الحديث عن النموذج الآخر في الفشل التنموي، فالسودان المنقسم يعيش منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2021 أزمة سياسية، ويتشظى اليوم مجدداً في حروب طاحنة لو وفر فيها ثمن السلاح والرصاص لتوفرت الحياة الكريمة للشعب، بعد سنوات من الحروب والقتال والتهجير والنزوح.
في ظل استمرار لغة التخاطب بين الطرفين بمنطق «سنقاتل حتى ينتهي أو ننتهي نحن» منطق التعنت والإصرار على الحرب أو الفناء فيها لا يخدم مصلحة السودان ولا السلام فيها، فمصلحة السودان وشعبه تحتم على القادة السودانيين معرفة أن المغالبة لن تحقق أي استقرار تنشده القوى السياسية أو الشعب ولا يمكن الالتفات إلى أي ازدهار في ظلها.
فاتورة الحرب الباهظة في السودان التي أسفرت عن مقتل الآلاف وتشريد الملايين، مع وجود ملايين آخرين في حاجة إلى المساعدات الإنسانية، مما يعني الحاجة العاجلة إلى إيقاف عجلة الحرب التي طحنت السودانيين جميعهم دون استثناء.
ولإنهاءً هذه الحرب الضروس يبقى الجلوس للتفاوض هو الحل الواقعي للأزمة السودانية.
السودان المنكوب نخبوياً كجارته ليبيا، لا يتحمَّل المزيد من رفاهية الوقت، بل يتدهور بشكل سريع، حيث تواجه البلاد أزمات إنسانية خطيرة في الغذاء وإيواء النازحين والمشردين.
ليبيا فشلت في توفير البنزين وهي تطفو فوق بحيرات البترول، والسودان فشل في استمرار الزراعة حتى للفول السوداني الذي اشتهرت به قديماً، فهما النموذجان على الفشل القيادي النخبوي والذي فضل التناطحَ السياسيَّ والتشظي على التوافق والاستقرار لتحقيق تنمية مستدامة، في ظل وفرة موارد لم تتوفر في ماليزيا ولا سنغافورة اللتين حققتا أفضل تنمية مستدامة من دون موارد طبيعية تذكر.
ولكن يبقى الشيء الوحيد القادر على قهر الحظ العاثر هو العمل الجاد، الأمر المفقود في ليبيا والسودان حتى الآن.