بقلم - جمعة بوكليب
الغرضُ من خرائط الطرق أنَّها تحدّدُ باتفاق المسار نحو جهة مقصودة متفق عليها من جميع الأطراف المتورطة في النزاع. خرائطُ الطرق التي وُضعت لحل الأزمةِ الليبية مختلفة، كونها تأتي من الخارج، ومن دون اتفاق مسبق. لذلك السبب، بقيتِ الأزمةُ تراوح في المكان نفسه، وأغلب الظن أنَّها ستستمر. في الأيام القليلة الماضية ظهرت علينا خريطتان من جهتَين مختلفتَين في مرة واحدة. كلتاهما بأهداف ظاهرة وخفيّة.
ما كان يُتداول وراء أبواب مغلقة ظهر الآن إلى العلن. المبادرة الأميركية التي يقودها مبعوث الرئيس ترمب للشرق الأوسط وأفريقيا مسعد بولس، خرجت أخيراً من تحت الطاولة واستقرت فوقها، تمهيداً لتنفيذها.
المبادرة الأميركية الجديدة لليبيا تناولتها وسائل الإعلام العربية والدولية، من خلال تصريحات أدلى بها مسعد بولس، ومن لقاءات أجراها مع صحف ومحطات تلفزيونية عربية وأجنبية. الوصول إلى هذه المرحلة مر بعدة محطات في لقاءات سرّية عُقدت في عواصم أوروبية وعربية مختلفة.
يوم الخميس الماضي كان يوم مفاجآت؛ إذ قبل ساعتَين على الأكثر من إحاطة رئيسة البعثة الأممية في ليبيا هانا تيتيه أمام مجلس الأمن الدولي، ظهرت وثيقة موقعة من رئاسات المجلس الرئاسي والنواب والدولة، تحت اسم «وثيقة المبادئ» بوصفه عنواناً رئيسياً، وتحته عنوان آخر «خريطة طريق إنهاء المرحلة التمهيدية». الوثيقة عُدّت من قِبل عديد من المعلقين الليبيين ضربة استباقية من الرئاسات الثلاث، للالتفاف على مبادرة المبعوث الأميركي؛ لأنَّ الأخيرة، كما اتضح، تدعو إلى تقاسم السلطة بين الحكومتين في الغرب والشرق، بتأسيس حكومة وحدة، وتأسيس مجلس رئاسي جديد، الأمر الذي يُفضي إلى خروج أسماء عديدة من المشهد السياسي.
أهم ما يميز وثيقة الرئاسات الثلاث هو تأكيدها عقد انتخابات نيابية ورئاسية متزامنة قبل يوم 17 فبراير (شباط) 2027، أي بعد أقل من ثمانية أشهر من تاريخ صدورها، الأمر الذي يشكك في مصداقيتها، على اعتبار استحالة عقد انتخابات نيابية ورئاسية متزامنة في مدة زمنية قصيرة، وهو ما سيدعو لاحقاً إلى تأجيلها إلى موعد آخر، ثم فيما بعد صرف النظر عنها. يظل من المهم الإشارة إلى أن الوثيقة تتسق وما تدعو إليه المبعوثة الأممية من عودة إلى الشرعية ممثلة بالعودة إلى ما سبق من اتفاقات سياسية.
في الجهة الأخرى من المشهد، إذ في الوقت الذي كانت تقدم فيه المبعوثة الأممية هانا تيتيه إحاطتها أمام مجلس الأمن الدولي صدر بيان من «القيادة العامة» (المشير خليفة حفتر) أعلنت فيه ترحيبها بمبادرة مسعد بولس. الترحيب غير المتوقع والفجائي يُفضي إلى استنتاج مفاده أنَّ المبعوث الأميركي تمكّن من إقناع الطرفَين الفاعلَين في الغرب والشرق من تقاسم السلطة. الخطة الأميركية تقوم على تعيين حكومة وحدة جديدة برئاسة رئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس عبد الحميد الدبيبة، في حين يتولى صدام حفتر، نجل المشير حفتر، رئاسة المجلس الرئاسي، ويتولى ابن عم رئيس الحكومة في طرابلس إبراهيم الدبيبة رئاسة مجلس الأمن القومي.
المبادرة الأميركية لخبطت الأوراق على نحو أثار استياء أغلب الأطراف في الغرب الليبي، لاعتقادهم أنَّ المبادرة لا تقود إلى سلام واستقرار نهائيَّيْن قائمَيْن على مصالحة بين جميع الأطراف، وأنَّها لن تُفضي إلى عقد انتخابات نيابية ورئاسية، وأنَّ هدف واشنطن منها هو السعي إلى خلق حالة من الاستقرار، بإحداث تغيير في المشهد يؤدي إلى تعيين حكومة وحدة في كل البلاد، وبدورها تضمن وجود استقرار نسبي يساعد على استمرار نشاط الشركات الأميركية النفطية. شركتان نفطيتان أميركيتان كبيرتان هما «كونكو فيليبس» و«شيفرون» عادتا في المدة الأخيرة للعمل في ليبيا.
الآلية التي سيتمكّن من خلالها المبعوث الأميركي من تنفيذ المبادرة/الخطة لم تتضح تفاصيلها العملية بعد، وكيف يمكن عبور الحواجز في الطريق. لكن المبادرة حسب تصريحاته الأخيرة حازت قبول وموافقة أطراف عدة عربية وأوروبية وأفريقية. المبعوث الأميركي بولس يؤكد أن مبادرته تسير باتساق مع خطة البعثة الأممية ومكملة لها. في حين أن معلقين ليبيين عديدين يؤكدون أن المبادرة الأممية عُدّلت بما يتسق مع خط سير المبادرة الأميركية. هذا يفضي إلى استنتاج جدير بالملاحظة، وهو أن واشنطن الآن هي من تقود المبادرة وليست البعثة الأممية.
باختصار، يمكن القول إن خريطتَي الطريق المطروحتَين ليستا سوى خريطتَي هروب إلى الأمام. وثيقة المبادئ الصادرة عن الرئاسات الغرض منها تضييع الوقت، كونها غير قابلة واقعياً وفعلياً للتحقق، وهدفها الحفاظ على مكاسب أصحابها وبقائهم في مناصبهم. والمبادرة الأميركية تقود إلى تأجيل الحوار بشأن الانتخابات وترسيخ الديمقراطية بسعيها إلى إيجاد حالة من الاستقرار النسبي يضمن سلامة الاستثمارات النفطية للشركات الأميركية.