بوتين واحد لا بوتينان في روسيا

بوتين واحد لا بوتينان في روسيا!

بوتين واحد لا بوتينان في روسيا!

 عمان اليوم -

بوتين واحد لا بوتينان في روسيا

هدى الحسيني
بقلم - هدى الحسيني

منذ أكثر من ربع قرن، ينجح فلاديمير بوتين في البقاء على رأس السلطة الروسية رغم الحروب والعقوبات والأزمات الاقتصادية والاضطرابات الداخلية. وعلى امتداد هذه السنوات، تكررت التوقعات بقرب سقوطه، لكن الوقائع كانت تسير في اتجاه مختلف. فكل أزمة واجهها الكرملين تحولت، في معظم الأحيان، إلى فرصة لإعادة ترتيب مراكز القوة وتشديد القبضة الأمنية، وهو ما يجعل الحديث عن مستقبل بوتين أكثر تعقيداً من مجرد انتظار أزمة جديدة أو انقسام داخل النخبة الحاكمة.

شكّل تمرد مجموعة «فاغنر» بقيادة يفغيني بريغوجين في صيف عام 2023 أخطر تحدٍّ داخلي واجهه بوتين منذ وصوله إلى السلطة. ففي غضون ساعات، سيطرت قوات «فاغنر» على مقر المنطقة العسكرية الجنوبية في روستوف، ثم تحركت نحو موسكو من دون أن تواجه مقاومة كبيرة في مراحلها الأولى. يومها اعتقد كثيرون أن النظام الروسي بدأ يتفكك، وأن نهاية بوتين أصبحت مسألة وقت. لكن ما حدث بعد ذلك أظهر صورة مختلفة تماماً.

انتهى التمرد باتفاق سريع، ثم اختفى بريغوجين من المشهد بعد أشهر عندما تحطمت طائرته في حادث أثار كثيراً من التساؤلات، في حين جرى تفكيك «فاغنر» ودمج معظم عناصرها في المؤسسات العسكرية والأمنية الروسية. أما بوتين فلم يخرج من الأزمة أضعف كما توقع كثيرون، بل عزز نفوذ الأجهزة الأمنية ومنحها صلاحيات أوسع لضمان عدم تكرار مثل ذلك التحدي.

تكشف هذه التجربة عن طبيعة النظام الذي بناه بوتين. فهو لا يعتمد على شخص واحد أو مؤسسة واحدة، بل على شبكة واسعة من الأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية التي تراقب بعضها بعضاً. فهناك جهاز الأمن الفيدرالي، والحرس الوطني، وجهاز حماية الرئاسة، بالإضافة إلى أجهزة الاستخبارات المختلفة. وقد صمّمت هذه المنظومة بحيث لا تمتلك أي جهة القدرة على الانفراد بالقوة، في حين يبقى الرئيس هو الحلقة التي تمسك بالخيوط جميعها.

ورغم ما تعانيه روسيا من فساد إداري وصراعات بين مراكز النفوذ، فإن هذه العيوب لم تمنع النظام من الصمود. بل إن الحرب في أوكرانيا دفعت الدولة إلى تعزيز مركزية القرار وإعطاء الأجهزة الأمنية دوراً أكبر في إدارة الداخل، الأمر الذي جعل السيطرة على المجتمع أكثر إحكاماً، ولو كان ذلك على حساب الحريات والاقتصاد.

ولا يعني ذلك أن روسيا أصبحت دولة بلا مشكلات. فالاقتصاد يواجه ضغوطاً كبيرة نتيجة العقوبات الغربية، كما أن الحرب استنزفت الموارد البشرية والمالية، وأثرت في قطاعات الطاقة والصناعة والاستثمار. كذلك ارتفعت تكلفة الإنفاق العسكري إلى مستويات غير مسبوقة، فيما تتزايد خسائر القوات الروسية على الجبهات. إلا أن هذه الضغوط لم تتحول حتى الآن إلى أزمة تهدد بقاء النظام، لأن الدولة ما زالت قادرة على تمويل الحرب، كما أن الأجهزة الأمنية تواصل إحكام قبضتها على الحياة السياسية والإعلامية.

وفي الغرب، تتكرر بين الحين والآخر تقديرات تتحدث عن ضعف بوتين أو قرب الإطاحة به نتيجة الانقسامات داخل النخبة الروسية. غير أن التجربة تشير إلى ضرورة التمييز بين وجود خلافات داخل السلطة واحتمال انهيار النظام. فالأنظمة السلطوية كثيراً ما تشهد صراعات بين مراكز النفوذ، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير القيادة، بل قد يستخدمها الحاكم نفسه لإعادة توزيع النفوذ ومنع أي طرف من امتلاك قوة مستقلة.

وينطبق ذلك إلى حد كبير على أزمة بريغوجين. فالرجل لم يعلن يوماً أنه يريد إسقاط بوتين، بل وجه هجومه بصورة أساسية إلى وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان، متهماً إياهما بالفساد وسوء إدارة الحرب. وكان هدفه، كما رأى كثير من المحللين، الضغط على بوتين لإجراء تغييرات داخل المؤسسة العسكرية، لا إسقاط النظام نفسه. ولذلك فإن تفسير تلك الأزمة باعتبارها محاولة انقلاب كاملة ربما بالغ في تقدير حجم التهديد الحقيقي الذي واجهه الكرملين.

ويبقى السؤال الأهم: ماذا عن مستقبل بوتين؟

يصعب تقديم إجابة حاسمة. فمن جهة، يبدو أن الرئيس الروسي ما زال يمسك بمفاصل الدولة الأساسية، ولا توجد حتى الآن شخصية قادرة على منافسته داخل النظام. كما أن مؤسسات الأمن والجيش لا تزال تدين له بالولاء، في حين تواصل الدولة استخدام الإعلام والدعاية لترسيخ صورة القيادة القوية في مواجهة الغرب.

لكن، من جهة أخرى، فإن استمرار الحرب يحمل مخاطر متزايدة. فكلما طال أمدها ارتفعت كلفتها الاقتصادية والبشرية، وازدادت الضغوط على الميزانية الروسية، واتسعت الفجوة بين متطلبات الحرب وحاجات المجتمع. وإذا ترافقت هذه الضغوط مستقبلاً مع تراجع اقتصادي حاد أو انقسام داخل النخبة أو هزيمة عسكرية كبيرة، فقد تدخل روسيا مرحلة أكثر حساسية مما هي عليه اليوم.

ومع ذلك، فإن التجربة خلال السنوات الماضية توحي بأن الرهان على انهيار سريع للنظام الروسي لا يستند إلى معطيات قوية. فبوتين أثبت مراراً أنه قادر على تحويل الأزمات إلى أدوات لتعزيز سلطته، مستفيداً من شبكة أمنية متماسكة ومن نظام سياسي صُمّم أساساً لمنع ظهور منافسين حقيقيين.

لهذا يبدو مستقبل بوتين مرتبطاً بدرجة أقل بالإشاعات المتداولة عن انقلابات وشيكة، وبدرجة أكبر بمسار الحرب في أوكرانيا، وقدرة الاقتصاد الروسي على تحمّل الضغوط، ومدى استمرار تماسك الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس. وحتى إذا كانت روسيا تواجه نقاط ضعف حقيقية، فإن تحويل هذه الثغرات إلى تغيير سياسي جذري قد يحتاج إلى ظروف مختلفة تماماً عما تشهده البلاد حالياً.

وهكذا، فإن قراءة المشهد الروسي تتطلّب قدراً من الحذر والواقعية. فالنظام الذي بناه بوتين ليس عصياً على التغيير، لكنه أيضاً ليس بالهشاشة التي تُوحي بها بعض التوقعات المتفائلة. وبين هذَيْن الحدَيْن، يبقى مستقبل روسيا مرهوناً بتوازن معقّد بين قوة الدولة، واستمرار الحرب، وقدرة الكرملين على احتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى تهديد وجودي.

omantoday

GMT 16:46 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

لا خيل

GMT 16:45 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

قراءة في مجلس الملك

GMT 16:44 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

ترمب: لكن في النهاية... كلنا سنموت على أي حال

GMT 16:43 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

إذ يتحرّق الحوثيّون لمقاتلة إسرائيل من لبنان

GMT 16:41 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

لبنان بين الفرنسة والفرسنة

GMT 16:40 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

الحياد أمام مأساة إنسانية!

GMT 16:39 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

الشعارات الخادعة والواقعية الناجحة

GMT 16:37 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

السياب... دائماً

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بوتين واحد لا بوتينان في روسيا بوتين واحد لا بوتينان في روسيا



إطلالات المشاهير في اليوم الوطني السعودي تجسد هوية الوطن برؤية معاصرة

الرياض - عُمان اليوم

GMT 04:28 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الأسد الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 21:10 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

تنفرج السماء لتظهر الحلول والتسويات

GMT 04:43 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج العقرب الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 08:49 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج الجوزاء

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon