هل كل السبل تؤدي إلى بكين

هل كل السبل تؤدي إلى بكين؟

هل كل السبل تؤدي إلى بكين؟

 عمان اليوم -

هل كل السبل تؤدي إلى بكين

أمير طاهري
بقلم - أمير طاهري

تخيل أنك زعيم دولة تواجه مشكلات، أو تسعى إلى تأكيد شرعيتك على الساحة الدولية، فإلى أين تذهب سعياً لتحقيق هذه الأهداف؟

في العصور القديمة، كانت كل السبل تؤدي إلى روما أو سوسة؛ حيث كانت الإمبراطوريتان العظميان تضبطان الإيقاع في أجزاء واسعة من القارات الثلاث المعروفة آنذاك. وفي عصر الإمبريالية الأوروبية، كانت الوجهات الواضحة لندن وباريس وبتروغراد. وخلال الحرب الباردة، غدت واشنطن وموسكو الوجهتين البديهيتين. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، نُظر إلى واشنطن باعتبارها المصدر الأول للسلطة، مع تراجع الأمم المتحدة إلى مرتبة ثانية بفارق واضح.

في العقد الماضي، فقدت الأمم المتحدة كثيراً من هيبتها باعتبارها مصدراً للسلطة الأخلاقية، ناهيكم من أهميتها المادية الملموسة؛ إذ انخرط اثنان من أعضائها حائزان على حق النقض (الفيتو) في حروب اختيارية، في حين وُصم عضو ثالث بالانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان. وبرغم كل الحديث الدائر حول نظام عالمي متعدد الأقطاب -مفهوم دونما معنى، لأنه إذا كان لديك أكثر من قطبين، فلن يكون هناك نظام قطبي بالأساس- فقد برزت واشنطن باعتبارها الوجهة المفضلة للقادة الباحثين عن المساعدة أو الشرعية.

ومع ذلك، في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، صار الذهاب إلى واشنطن أمراً خاضعاً للمجازفة، ولا يملك الزائر السيطرة عليه؛ فبدلاً من تعزيز شرعيتك، قد ينتهي بك المطاف بالتعرض للإهانة على شاشات التلفاز، والمغادرة بعد الاستماع إلى خطاب أحادي حول مدى سوء باراك أوباما وجو بايدن.

وفي مثل هذا السياق، ليس من المستغرب أن يرى كثير من القادة في بكين، الوجهة الحتمية التي لا غنى عنها، خصوصاً عندما يقع أحدهم في مأزق أو يسعى للحصول على دعم سياسي واقتصادي.

ومن ثم، لم يكن من قبيل المصادفة، أن يتحرك الرئيس ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لزيارة بكين في الإطار الزمني نفسه تقريباً. وقد منح الرئيس الصيني شي جينبينغ الزائرين كليهما الاستقبال نفسه تماماً، في حين لم يمنح أي منهما أياً من المطالب التي أرادها.

إذ بُسطت السجادة الحمراء، ودوت المدافع بإطلاق 21 طلقة، ولوّح الأطفال بالأعلام وهم يهتفون مرحبين بالضيوف الكرام، لكن لم تُسحب الأقلام لتوقيع أي صفقة. وكان ترمب يأمل في الحصول على مساعدة، لإقناع إيران بتقديم التنازلات اللازمة، للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الحالية. كما أراد من شي إتمام صفقات شراء 300 طائرة «بوينغ»، وكميات ضخمة من فول الصويا، من بين سلع أخرى، من الولايات المتحدة. بيد أن شي حافظ على ابتسامة باهتة، ولم يذهب أبعد من ذلك، وإنما أشار إشارة غامضة إلى موضوعه المفضل، «تايوان»، مستشهداً بـ«فخ ثوسيديدس»، ومحذراً من وقوع «شقاق».

وعمد الخبراء المعارضون لترمب إلى ترجمة اللفظة الصينية القديمة الدالة على «الشقاق»، بمعنى «النزاع» أو «الحرب»، في محاولة للإيحاء بأن ترمب تلقى تهديداً، غير أن هذه التفسيرات سرعان ما تهاوت لافتقارها إلى الدليل.

وفي واقع الأمر، لم يكن هناك أي تهديد، وكانت إشارة شي إلى «فخ ثوسيديدس» تتعلق بتغيير الوضع الراهن، بدلاً من تصوير الصين باعتبارها قوة صاعدة، تحل محل الولايات المتحدة باعتبارها قوة متراجعة. (وقد شرحتُ مفهوم «فخ ثوسيديدس» في مقال نُشر بهذه الصحيفة في 26 مارس/ آذار 2021).

وفي الحقيقة، تصرف ترمب بانضباط مثالي، وذكّر شي بلطف بأن الولايات المتحدة تظل القوة التي لا غنى عنها في العالم. كما أوضح أيضاً أن الصين لديها الكثير لتخسره جراء أي حصار في مضيق هرمز، ولو لمجرد أن نحو 40 في المائة من احتياجاتها من الطاقة تمر عبره، في حين تمتلك الولايات المتحدة القدرة على السماح للناقلات الصينية بالمرور.

وإذا أصبح إغلاق الممرات البحرية هو السائد، فما الذي قد يفعله إغلاق مضيق «ملقا» من قِبل الدول الساحلية المتحالفة مع الولايات المتحدة بالتجارة العالمية للصين؟ وقد منح شي بوتين المعاملة نفسها تقريباً من «الأبهة» والمراسم الرسمية، ولكن من دون أي نتائج ملموسة. وكان بوتين يأمل في إتمام صفقة بشأن خط أنابيب النفط والغاز السيبيري الجديد الذي تجري المفاوضات بشأنه منذ ما يقرب من عقد من الزمن. ومع ذلك، كان شي مصمماً على عدم الوقوع في الفخ ذاته الذي نصبته روسيا للاتحاد الأوروبي عبر خطوط أنابيب «نورد ستريم». وهكذا، انتهى اللقاء ببوتين أيضاً بالحصول على ابتسامة باهتة من شي من دون أي إنجاز يُذكر.

إن إساءة فهم ما تمثله الصين اليوم وما قد تمتلكه غداً قد تؤدي إلى عواقب كارثية. فمعاملة الصين كمجرد قوة إقليمية أمر خاطئ وخطير تماماً كرفعها إلى مصافّ القوة العظمى الجديدة.

ويبدو الرئيس شي عازماً على التعلم من تجربة الولايات المتحدة باعتبارها قوة عظمى دفعت ثمناً باهظاً من الدماء والأموال لضمان أمن الحلفاء والمحميات، لينتهي بها الأمر بمواجهة عداء صريح أو ضمني لأميركا. وهذا من دون أخذ العواقب غير المقصودة في الحسبان؛ فعلى سبيل المثال، لا يتذكر سوى القليل من الناس أن المشروع النووي الإيراني بدأ بأموال وخبرات أميركية في عام 1959، وأن الجيل الأول من علماء البرنامج النووي الإيرانيين تلقوا تدريبهم في الجامعات الأميركية.

إن الصين بالتأكيد أكثر من مجرد قوة إقليمية كما افترض أوباما وبايدن، ولكنها ليست كذلك القوة العظمى العالمية التي تتغنى بها جوقة المطالبين بـ«نهاية أميركا». إنها دولة تمر بثورة علمية وتكنولوجية غير مسبوقة منذ بداية الثورة الصناعية في إنجلترا، وتعمل كل عام على تدريب عدد من المهندسين يفوق ما تدربه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين.

كما أنها تُعزز قوتها العسكرية بأقصى سرعة مع تركيز خاص على إبراز القوة البحرية. ورغم ذلك، لا تزال الصين بعيدة عن امتلاك بحرية المياه العميقة الموثوقة والقادرة على بسط نفوذها في جميع أنحاء العالم. وتكمن عبقرية الرئيس شي كزعيم في فهمه للمخاطر التي تنطوي عليها لعبة القوى الكبرى. فالصين هي القوة الكبرى الوحيدة التي تعرف أين ومتى يحين الوقت لجمع أمتعتها ومغادرة بؤر التوتر، بدلاً من البقاء والقتال من أجل نهاية غير مأمونة العواقب.

وتظل أولويات الرئيس الصيني متمثلة في الحفاظ على النمو الاقتصادي، ورفع مستويات المعيشة لثلثي السكان الذين لا يزالون قريبين من خطوط الفقر. ثم هناك مشكلة شيخوخة السكان وانخفاض معدل المواليد، وهي مشكلة لا يمكن تصحيحها بموجات الهجرة كما هو الحال في الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. يُضاف إلى ذلك حقيقة أن الصين لا تزال متنافسة من الدرجة الثانية في ما يتعلق بالقوة الناعمة، بالرغم من الخطط الطموحة في جميع المجالات الثقافية.

وفي غضون ذلك، وبصرف النظر عن الضجيج الصادر عن منتقدي الصين أو المهووسين بها -مثل الراحل هنري كيسنجر- أعتقد أنه ينبغي التعامل مع الصين كقوة استقرار بدلاً من كونها قوة مخلّة بالأمن كما يرى المثقفون الفرنسيون. لقد ألحق خطاب «الخطر الأصفر» البغيض ضرراً بالغاً بالصين وبقية العالم على حد سواء، ويُحسب لترمب أنه قد أدرك ذلك؛ إذ ظل حازماً وأظهر أوراق الضغط التي يمتلكها، لكنه عامل شي باحترام.

إن كل السبل لا تنتهي في بكين، ولكن بعضها يؤدي إليها حتماً.

وتخميني أن شي لن يغزو تايوان لأنه يعرف مفهوم كنفوشيوس القائم على «الانتظار النشط».

وقبل عقود من الزمن، سُئل الرئيس هو جينتاو عن سبب انتظار الصين كل هذا الوقت الطويل لاستعادة سيادتها على هونغ كونغ وماكاو؟ فأجاب بالابتسامة الصينية الباهتة المعهودة: «الأمور تستغرق وقتاً».

omantoday

GMT 00:23 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

جزيرة الانتقام

GMT 00:21 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

باطن العالم وظاهره بالنسبة إلى قادة إيران

GMT 00:20 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

ثقافة الدولة واستعادة الثقة

GMT 00:16 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

إيران... العقدة النووية

GMT 20:31 2026 الخميس ,21 أيار / مايو

جبهة إيران العراقية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل كل السبل تؤدي إلى بكين هل كل السبل تؤدي إلى بكين



حلا الترك تخطف الأنظار بإطلالاتها الشبابية الراقية

المنامة - عُمان اليوم

GMT 07:44 2014 السبت ,20 كانون الأول / ديسمبر

مقتل ثلاثة من عناصر الشرطة البحرينية في قرية بني جمرة

GMT 23:31 2015 الأربعاء ,23 أيلول / سبتمبر

مصر تشتري من فرنسا حاملتي طائرات طراز "ميسترال"

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon