ترمب وحلم طهران الساذج

ترمب وحلم طهران الساذج

ترمب وحلم طهران الساذج

 عمان اليوم -

ترمب وحلم طهران الساذج

أمير طاهري
بقلم - أمير طاهري

مَنْ يناور مَنْ؟ هذا السؤال الذي يطرحه سلوك الرئيس الأميركي دونالد ترمب والقيادة الإيرانية في طهران، في ظل المرحلة الراهنة من صراع مستمر منذ أكثر من 100 يوم. ويبدو الطرفان، الأميركي والإيراني، وكأنهما على استعداد للمضي في هذه الحرب لـ100 عام قادمة، في حين يحرصان في الوقت ذاته على إظهار أن التوصل إلى هدنة مفتوحة أصبح قاب قوسين أو أدنى.

وبحسب «سي إن إن»، فإنه خلال شهرين فقط أعلن ترمب عن قرب التوصل إلى اتفاق 38 مرة، في حين كرر متحدثون إيرانيون رسميون وغير رسميين بدورهم الحديث عن قرب تحقيق هذا الهدف، وإن كان بوتيرة أقل بلغت 22 مرة فقط، تبعاً لما أفادته وكالة أنباء «الحرس الثوري» الإيراني «تسنيم».

ومع ذلك، يبقى المؤكد أن أياً من الجانبين لا يرغب في العودة إلى المراحل الأولى من النزاع، التي شهدت أعنف ضربات جوية تعرضت لها إيران منذ الحرب العالمية الثانية. وتزامناً مع توجه ترمب إلى فرنسا للمشاركة في قمة مجموعة الدول الصناعية السبع في مدينة إيفيان، من المتوقع خروج مظاهرات معارضة له، ينظمها ما يمكن وصفه بتحالف «كراهية أميركا»، ويضم تيارات متطرفة من اليسار واليمين تتهم الرئيس الأميركي بأنه «محرّض على الحرب» و«فاشل». والسؤال الآن: هل تنطبق هذه الأوصاف على ترمب؟

يعتبر ترمب الرئيس الأميركي الوحيد الذي سعى بجدية لإصلاح مع إيران. وكان من أولى خطواته، في بداية ولايته، قرار الانسحاب من الاتفاق المبرم في عهد سلفه باراك أوباما، والذي كان يضع إيران تحت إشراف القوى الكبرى في مجلس الأمن، إلى جانب ألمانيا، بهدف منع إيران من امتلاك ترسانة نووية افتراضية.

وفي خطوة لاحقة خلال ولايته الأولى، وجّه ترمب رسالة مطولة إلى المرشد الراحل علي خامنئي، مقترحاً خوض مفاوضات تفتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين، اللذين ليس ثمة أسباب موضوعية للعداء بينهما. وكان من المقرر أن يتولى رئيس الوزراء الياباني السابق شينزو آبي تسليم الرسالة خلال زيارته إلى طهران، في زيارة أولى من نوعها منذ عام 1979، إلا أن خامنئي رفض تسلم الرسالة، في موقف اعتُبر إهانة للوسيط الياباني. ورغم عدم الكشف عن مضمون الرسالة، قال آبي للمسؤولين الإيرانيين إن العرض الذي حمله كان سخياً، ويعكس رغبة حقيقية في استئناف العلاقات.

حتى عندما انخرط دونالد ترمب في الحربين الأخيرتين خلال يونيو (حزيران) 2024 وفبراير (شباط) الماضي، بدا واضحاً أنه دخل الصراع على مضض، بعد أن أقنعه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن حملة قصف سريعة وحاسمة، بجانب اغتيال قيادات إسلامية بارزة في طهران، كفيلة بإجبار إيران على إعادة النظر في موقفها، إلا أنه عندما لم يتحقق ذلك في يونيو سارع ترمب إلى فرض وقف لإطلاق النار بعد ثلاثة أيام فقط من القصف. وقد أساءت طهران تفسير هذه الخطوة، معتبرة إياها مؤشراً على ضعف أميركي، فعادت لإشعال المواجهة من جديد عبر استئناف عملياتها ضد إسرائيل من خلال وكلائها.

وفي المرحلة الثانية من الحرب، أدرك ترمب أن القصف الجوي، مهما بلغت شدته، لن يكون كافياً لإجبار الخصم على الاستسلام. وربما لم يكن على دراية بتجارب سابقة، مثل المرحلة الأولى من الحرب العالمية الثانية، حين لجأت ألمانيا النازية إلى قصف مكثف لمدينة لندن ومدن إنجليزية أخرى، من بينها كوفنتري، في محاولة لإجبار بريطانيا على الاستسلام. وقد تعرضت كوفنتري لدمار هائل، لدرجة أن اسمها تحول إلى فعل في اللغة الإنجليزية يُستخدم لوصف تدمير مدينة كاملة، وتحويلها إلى أنقاض محترقة. ومع ذلك، لم تستسلم بريطانيا، وواصلت القتال منفردة طوال ثمانية عشر شهراً، حتى انضمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي إلى التحالف المناهض لدول المحور.

نهاية المطاف، خلص ترمب إلى أن الحرب الجوية وحدها لا تكفي لتحقيق النصر. وفي الوقت نفسه، لم يقع في الخطأ الذي ارتكبه بعض أسلافه، حين تورطوا في حروب برية واسعة ضد خصوم لا يشكلون تهديداً وجودياً للولايات المتحدة.

من جهته، ارتكب الرئيس جون كينيدي هذا الخطأ، عندما أقحم بلاده في حرب فيتنام، التي امتدت لاحقاً إلى كمبوديا ولاوس، وانتهت بمشهد الإجلاء الشهير من سايغون.

ويرى كثير من المراقبين أن إدارة ترمب لهذه الحرب جاءت فوضوية - انطباع قد يبدو صحيحاً ظاهرياً - إلا أن الحقيقة تظل أن ترمب تمسك بأهداف عدة واضحة.

أول هذه الأهداف إبقاء الخسائر البشرية الأميركية عند أدنى حد ممكن. وتعد هذه المرة الأولى التي تنخرط فيها الولايات المتحدة في حرب بهذا الطول، من حيث الفترة الزمنية، مع تسجيل هذا العدد المحدود من الضحايا، الذي بلغ 16 قتيلاً فقط خلال 100 يوم.

عام 1993 خاضت القوات الأميركية، في عهد الرئيس بيل كلينتون، وبمساندة قوات ماليزية وباكستانية، معركة استمرت 48 ساعة ضد قوات صومالية، جنوب مقديشو. وخلال تلك المواجهة القصيرة قُتل 18 جندياً أميركياً وأُصيب 84 آخرون.

أما الهدف التالي لترمب، فلم يكن دفع «القط الفارسي الجريح» نحو زاوية مغلقة، تجبره على شن هجوم انتحاري أخير. ويفسر هذا الصبر الذي أظهره خلال مفاوضات معقدة، بدأت حتى قبل اندلاع القتال.

ومن خلال التلويح بـ«جزرة مغرية» تسعى إليها كل الأطراف داخل طهران، كلٌّ لمصلحته الخاصة، نجح في تعميق الانقسامات، التي شكلت سمة بارزة للنظام منذ عام 1979. وتمثل هدف آخر لترمب في إبقاء الضغط على طهران، من دون الوصول بها إلى حد الاختناق الكامل؛ فالحصار المفروض على الموانئ الإيرانية يضر بالنظام والشعب معاً، لكنه يُطبق بشكل محسوب بحيث لا يؤدي إلى شل الاقتصاد بالكامل.

من جهتها، أعلنت طهران وصول أكثر من 1.6 مليون طن من «السلع الأساسية» إلى خمسة موانئ إيرانية خلال الأيام العشرة الماضية، في حين اختارت غض الطرف عن تزايد أعداد السفن العابرة لمضيق هرمز. ويرى بعض الخبراء أن جزءاً كبيراً من الحروب - بل ربما كلها - يقوم على العامل النفسي، بما يتضمن أوهام النصر والهزيمة. وهناك داخل طهران من يستمد شعوراً زائفاً بالانتصار من مجرد إطلاق التصريحات النارية، إلا أن الواقع يشير، حتى الآن على الأقل، إلى تفوق ترمب في هذه الحرب؛ إذ تُقدّر الخسائر البشرية الإيرانية بأكثر من 7.000 قتيل، بينهم نحو 3.000 من العسكريين، بينهم العشرات من كبار الضباط. كما تُقدّر الخسائر التي لحقت بالبنية التحتية العسكرية والصناعية الإيرانية بما يتجاوز 400 مليار دولار، مع احتمال فقدان بعض الأصول الحيوية، بما في ذلك عدد من الحقول النفطية البحرية، بشكل دائم. ومن المحتمل كذلك أن تكون هناك أضرار قد لحقت ببعض المواقع التراثية، على نحو غير قابل للإصلاح.

وفي المقابل، تمتلك الولايات المتحدة من القوة الاقتصادية والعسكرية ما يمكّنها من مواصلة حرب منخفضة الحدة لفترة طويلة، أو على الأقل ما دام ترمب في السلطة، وعلى استعداد للاستمرار. وبعد احتفاله بعيد ميلاده، ومتابعته بطولة كأس العالم لكرة القدم، وإشرافه على احتفالات الذكرى 250 للاستقلال الأميركي، قد يعاود تصعيد وتيرة المواجهة.

من ناحيتها، تراهن طهران على إمكانية الصمود حتى انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، على أمل أن يخسر ترمب، بما يسمح لها بادعاء النصر. غير أن هذا الرهان يبدو، وفق هذا الطرح، شديد السذاجة، وبخاصة أنه كلما تأخر قبول هدنة، تفاقمت خسائر إيران.

وفي المحصّلة، يرى كاتب هذه السطور أن الحروب المرتبطة بإيران لن تنتهي، من دون تغيير في النظام داخل طهران، الأمر الذي لن يتحقق إلا عبر الشعب الإيراني والتفاعلات السياسية الداخلية لمجتمع معقّد كابدَ نصف قرن من الأزمات.

omantoday

GMT 02:06 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

خطر «تسونامي بشري» يهدد إسرائيل

GMT 02:54 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

الطهي الإمبراطوري

GMT 02:45 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

أنقرة و«عقدة الحرب» الإسرائيلية

GMT 02:48 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان وألغام التفاوض

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ترمب وحلم طهران الساذج ترمب وحلم طهران الساذج



إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 15:40 2026 الخميس ,11 حزيران / يونيو

أفضل 5 أساطير في تاريخ كأس العالم لكرة القدم

GMT 17:11 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

تتخلص هذا اليوم من بعض القلق

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon