حين قالَ الوزير الإيرانيُّ عبَّاس عراقجي بأنَّ الحربَ و«مذكّرة التفاهم» كانتا بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران و«حزب الله» من جهة أخرى، لم يرمِ كلامَه إلاّ إلى تسمين الحزبِ وتخصيبه.
أمَّا التسمينُ فهو ترفيعُه إلى مرتبة الدولِ التي تحارب وتسالم، بدلاً من تولّي الدولة التي يُفترض أنَّها دولته المهمّة المذكورة. وأمّا التخصيب فجعل موادَّ الحزب السامَّة أشدَّ انتشاراً وسُمّيّة وقدرةً على الفتك عبر إعداده لأدوارٍ تتجاوز دورَه وطاقتَه الحاليّين.
والحقُّ أنَّ التسمينَ والتخصيب تلزمهما شروط ملائمة وفّرت «مذكّرة التفاهم» الأخيرة معظمها، أو أوحت بذلك. وربّما كان أوَّلَ تلكَ الشروطِ وقفُ إطلاق النَّار الذي لا يصحبه انسحاب إسرائيليّ. فهو، بتقطّعاته وتعثّره، ما يقدّم المناخ الصالح لإنجاز مهمّات باتت شديدة الصعوبة بعد النكبات الحربيّة التي مني بها الحزب، كإعادة البناء العسكريّ والسعي إلى طرق وأدوات تؤمّن الحصول على المال والسلاح والذخائر، فضلاً عن تدريب شبّان جدد مرشّحين لـ «الشهادة».
أمَّا الشرط الثاني فهو بالضبط بقاء الاحتلال الإسرائيليّ لأنّه، وكما كانت الحال قبلاً، يوفّر الحجّة السياسيّة والآيديولوجيّة لمقاومة «حزب الله» وتمسّكه إلى ما لا نهاية بالسلاح.
وبدوره فالشرط الثالث، وللمرّة الألف، هو إعلان النصر القاطع الذي يُقدَّم كمُنجز نهائيّ لا رجعة عنه. فهذا، فضلاً عن تكريسه جدوى المقاومة، «وعدٌ صادق» آخر يُمنَح لبيئة الحزب كي تقتنع بأنَّ آلامها الكبيرة لم تذهب سدى، وبأنّ تلك الآلام شرط لمزيد من الانتصارات التي دلّت إليها تجارب متواصلة.
وإلى الإصابة المزمنة بإعلان النصر، لا يغيب عن الشروط اللازمة شرط رابع مؤدّاه تعظيمُ إيران وأدوارها، إذ مَن تكون إلى جانبه إيران لا بدّ أن يكون غالباً.
وفي ظلّ التشوّش الذي بات يطال توازنات القوّة الإقليميّة تبعاً لـ«مذكّرة التفاهم»، وبعد ما وصفته الحجج الوجيهة بتراجع القوّة الأميركيّة، راحت تتقافز الإعلانات التي تكسر كلّ رقم قياسيّ في تصوير القدرة الإيرانيّة الخارقة، من «توليد نظام دوليّ جديد» إلى «تغيير شكل المنطقة والعالم»...
ولأنَّ إيران، بحسب عبارة الأمين العامّ نعيم قاسم، «قدّمت كلّ شيء ولم تأخذ شيئاً»، فهذا ما يعزّز المطالبة باستعادتها نفوذها السابق في لبنان. ذاك أنّ تعظيم قدراتها، ممّا باتت تسنده مضامين «مذكّرة التفاهم»، وتوكيد غيريّتها المنزّهة عن كلّ مصلحة، لا يجوز أخلاقيّاً ألاّ يستدعيا مقابلاً أو مكافأة معتَبَرة.
وهذا، بطبيعة الحال، ذو وظيفة ماليّة شديدة الحيويّة: فشمول «التفاهم» المستجدّ على صندوق خاصّ لحفز الاستثمار قيمته 300 مليار دولار، فضلاً عن تحرير المبالغ المحتجزة المقدّرة بـ 24 ملياراً، قابل للترجمة إلى ما يصعب حصره من أنفاق وأسلحة وذخائر ورواتب تُغدق على «حزب الله».
ووفق تقارير إعلاميّة غربيّة فإنّ صورة إيران ومواضع التركيز فيها قد تشهد بعض التغيّر. ذاك أنّ قوّتها كطرف قوميّ ذي بطانة مذهبيّة قد تفوق صورتها كطرف إسلاميّ يصارع الغرب «المستكبر». ويسند أصحاب تلك التقارير توقّعاتهم إلى ضعف موقع المرشد قياساً بموقع «الحرس الثوريّ» والاضطرار، ولو بعد حين، إلى أشكال من التعاون مع الولايات المتّحدة تُمليها الجوانب التنفيذيّة لـ «المذكّرة»، وهذا فضلاً عن أنّ الجاذبيّة القوميّة في إيران غدت تفوق الجاذبيّة الإسلاميّة التي استهلكها النظام حتّى استنفدها.
وكائناً ما كان الأمر، فهذا ما يلائم التفاهم مع «الشيطان الأكبر»، كما يناسب ما لاحظه مراقبون استوقفهم إغفال ذكر غزّة، ناهيك عن فلسطين. وغزّة، كما يُفترض، أصل الحروب الأخيرة. لهذا، وفي محاولة متأخّرة لتجنّب الإحراج الذي سبّبه التجاهل، نُقل عن رسميّ إيرانيّ لم يُذكر اسمه أنّ «غزّة موجودة في روح التفاهم».
وأمَّا الشرط الخامس والأهمّ فهو تلويث سمعة الدولة اللبنانيّة. فرموزها مشبوهون وأفعالها خيانات موصوفة وأقوالها وأقوال مؤيّديها هرطقات. وهؤلاء جميعاً تنبغي مخاطبتهم بالتعنيف، عبر قاموس تتراوح مفرداته بين التشهير والتهديد وتبليغهم ما يجوز وما لا يجوز.
وهناك أيضاً العون الذي تقدّمه اللغة الإيرانيّة: فوصف عراقجي السابق الذكر، وما يختبئ خلفه من رغبات ونيّات، وما يشبهه من كلام إيرانيّ رسميّ، لا تستهدف إلاّ الدولة اللبنانيّة التي يُفترض بها أن تتخلّى عن قراري الحرب والسلم وتسلّمهما للحزب ولطهران.
وفي هذه الغضون فإنَّ أزمة العلاقة بين جمهور الحزب والدولة ينبغي تعميقها وجعلها استعصاء شاملاً. فالدولة لا تخونهم وتبيع قضيّتهم فحسب، بل تسيء التعامل مع نزوحهم وإقامتهم وتعليمهم وكلّ ما يتعلّق بهم... أمّا جمهور الدولة فينبغي دفعه إلى الشكّ بنواياها، إذ هي، فضلاً عن كونها لا تحرّر، تحاول منع إيران من أن تحرّر.
وبالاستفادة من وضع الدولة الصعب، ومن ضيق خياراتها التي زادتها «مذكّرة التفاهم» ضيقاً، يقترح الحزب وإيران عليها استكمال «وحدة الساحات» لزمن الحرب بـ«وحدة المسارات» للزمن السلميّ. وعلى النحو هذا يُعلّق لبنان وخياره الوطنيّ على خشبة منخورة وغموض مطلق. ذاك أنَّ دولة اللادولة واللاقرار هي وحدها ما يضمن تسمين «حزب الله» وتخصيبه.