بقلم - أسامة غريب
لا أدرى إلى متى يتحمل وطننا هذا الانحدار المتسارع فى الخدمات والذوق والأخلاق؟. حفلات غنائية فى الساحل الشمالى يحييها رجال بعضهم يرتدى فستاناً نسائياً أو ما يشبهه وبعضهم يصعد إلى المسرح عاريًا ممسكًا بالميكروفون ويظل ينتع ما شاءت له حنجرته المهترئة من الضجيج بينما الجمهور بالغ الثراء والتفاهة يتمايل طربًا ويطلق صراخًا محمومًا متجاوبًا مع المسخ الذى يغنى.
الغريب أن التذكرة فى هذا المولد الردىء لا تقل عن خمسة وعشرين ألف جنيه فى المقاعد الخلفية وقد تصل إلى ربع مليون جنيه كما نقرأ فى بعض الصحف والمواقع.
معنى هذا أن الجمهور ليس به أحد من السميعة أو محبو الطرب أو متذوقو الفن، لكنهم فى الغالب من الأثرياء جداً بدون مناسبة، أو من الذين قال عنهم فؤاد حداد «ناس بتكسب من غير إيدين» أى أناس يكسبون عشرات ومئات الملايين دون أن يكون لهم عمل مفهوم أو وظيفة من الوظائف التى تعرفها البشرية. لم تصل مصر من قبل إلى هذا القاع حيث المطربون ليسوا مطربين والأغانى خالية من الموسيقى، إذ الأمر ليس أكثر من إيقاع بدائى مع كلمات رديئة تغلب عليها البذاءة.
لقد كان أستاذنا يحيى حقى يشكو فى السابق من كسل الملحنين لأنهم يكتفون بوضع قدر بسيط من الموسيقى فى الأغنية ويكررون اللازمة الموسيقية فى الكوبليهات الثلاثة دون تنويع، وكان يدعوهم إلى مزيد من السخاء حتى يزيدوا مقدار الموسيقى فى الأغنية. ماذا لو عرف الأديب الكبير أنه فى زمننا هذا اختفت الموسيقى تمامًا وظهر الكلام الوقح مع مطربين بعضهم ممثلون لا يملكون أى موهبة غنائية، لكن لديهم ألتراس عنده أو عند آبائه المال والنفوذ، وهذا الألتراس يتبعهم فى كل مكان ويجرى وراء صرعاتهم المنحطة ويستدعيهم إلى شواطئ الأنس والعربدة ليملأوا ليالى المترفين السكارى بالهراء والروث الفنى!.
فى السابق كنا نشفق على الجمهور من أحمد عدوية وأمثاله خوفًا على الذوق الراقى، لكن كان يقال لنا إن لعدوية جمهوره من أولاد البلد، أما عشاق الفن الأصيل فلديهم أم كلثوم وعبد الحليم وفايزة ووردة ونجاة وشادية، وبالتالى هناك ما يرضى كل المستويات، أما الآن فالمصيبة أن الأثرياء وأبناءهم من خريجى الجامعات الخاصة الذين يسكنون القصور فى الكومباوندات صارت أغانى المهرجانات تعبر عن ذوقهم ومزاجهم الشخصى، وأصبح ساكن الكومباوند يستمع إلى نفس ما يطرب سائق التوكتوك والميكروباص.. أى أن المستوى المادى المرتفع لم يوازِه ارتفاع فى الوعى والثقافة والذوق، وإنما صاحبه ما يمكن أن نسميه نفوذا وبلطجة ومقدرة على فرض المنحط والواطى مما يعتبرونه فنًا فى الغناء والسينما والدراما بوجه عام.
المشكلة أن كلامنا هذا لن يؤثر فى أحد، فالمطرب الذى شاهدناه مرتديًا ثوبًا نسائياً لن يتوقف عما يفعل طالما لديه جمهور يؤازره، والآخر الذى خرج على الناس عارى الصدر قد يتشجع ويخلع البنطلون فى الحفلة القادمة.. فاللهم لطفك!.