تلتقي فرنسا والمغرب يوم الخميس في دور الثمانية لكأس العالم، في مواجهة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، إذ تحضر فيها روابط تاريخية وإنسانية عميقة، من اللاعبين المغاربة الذين ولدوا ونشأوا في فرنسا، إلى الصداقة الوثيقة التي تجمع كيليان مبابي بأشرف حكيمي منذ زمالتهما في باريس سان جيرمان.
وفي وقت تستعد فيه فرنسا لتطبيق إجراءات أمنية مشددة قبل المباراة وأثناءها وبعدها، تبدو مدينة بوسطن مرشحة لإضفاء طابع أكثر حميمية على المناسبة؛ فهي مباراة تجمع بلدين تتداخل مساراتهما التاريخية بشكل وثيق، فيما تربط بين لاعبيهما ومشجعيهما في الهجرة واللغة والعائلة والصداقة.
ويضم المنتخب المغربي ستة لاعبين ولدوا في فرنسا، فيما خاض عدد آخر من عناصره تجارب في الدوري الفرنسي أو تدرجوا في مراكز التكوين التابعة للأندية الفرنسية قبل أن يختاروا تمثيل المغرب على المستوى الدولي.
وتعكس هذه المسارات حجم الترابط الرياضي بين البلدين، وكذلك قدرة المغرب على الاستفادة من أبناء جاليته لبناء منتخب قادر على المنافسة في أعلى المستويات.
ويعد الموهبة الشابة أيوب بوعدي أحد أبرز الأمثلة على هذا التداخل؛ فقد ولد في فرنسا، وتطور في نادي ليل، ومثل منتخبات فرنسا السنية قبل أن يقرر الدفاع عن ألوان المغرب، ليجسد نموذج الهوية الكروية المزدوجة التي تمنح هذه المواجهة بعداً خاصاً.
وتدخل فرنسا، بطلة العالم عام 2018، المباراة بصفتها إحدى القوى التقليدية في كرة القدم العالمية، مستندة إلى خبرتها الكبيرة في البطولات الكبرى وترسانة هجومية قادرة على قيادتها نحو لقب جديد.
أما المغرب، فيخوض البطولة بثقة متزايدة بعد أربع سنوات من تحقيق إنجاز تاريخي كأول منتخب أفريقي يبلغ قبل نهائي كأس العالم، ولم يعد ينظر إليه باعتباره مفاجأة عابرة، بل منافساً قادراً على مقارعة كبار اللعبة.
وكانت المواجهة التي جمعت المنتخبين في قطر عام 2022 وانتهت بفوز فرنسا 2-صفر قد حملت الكثير من المشاعر، لكنها اتسمت أيضاً بقدر كبير من الاحترام المتبادل. فقد حظي المنتخب المغربي بإعجاب واسع النطاق بفضل مسيرته التاريخية، بينما عكست تشكيلة فرنسا مرة أخرى الطبيعة متعددة الثقافات التي ميزت كرة القدم الفرنسية على مدار عقود.
* أجواء خاصة في بوسطن
تمنح بوسطن هذه المواجهة بعداً مختلفاً ومثيراً للاهتمام. فالجالية المغربية هناك أصغر حجماً وأقل حضوراً مقارنة بنظيرتها في المدن الفرنسية، لكنها راسخة في المنطقة، حيث أسهم المغاربة المقيمون في بناء شبكة متماسكة من الأسر والطلاب والمهنيين وأصحاب الأعمال.
وبالنسبة لهؤلاء المشجعين، لا تبدو مباراة دور الثمانية مناسبة للانقسام بين معسكرين متنافسين بقدر ما تبدو مناسبة للاحتفال المشترك بكرة القدم.
وقال محمد السعدي، وهو سائق أجرة يبلغ من العمر 57 عاماً: بعض الناس يعيشون في المبنى نفسه، وسيشاهد الفرنسيون والمغاربة المباراة معاً، ثم يتصافحون في النهاية. لا يوجد أي توتر هنا. كرة القدم شأن عائلي، ومباراة فرنسا والمغرب لن تكون استثناء، بل على العكس تماماً.
وفي متنزه بوسطن كومون، تجمع أكثر من ألف مشجع وهم يرددون هتافات "ديما المغرب" ويرفعون الأعلام في أجواء احتفالية سلمية عشية المباراة.
وقال يوسف بناني، مهندس برمجيات يبلغ من العمر 36 عاماً: جئت خصيصا من فنلندا. حضرت جميع مباريات المغرب في البطولة، وأعتقد أن هذا أفضل تجمع للمشجعين هنا. التقيت بالكثير من المغاربة وبعض الفرنسيين أيضاً، وأتوقع أن تكون الأجواء بمثابة احتفالية كبيرة.
وتغيرت النظرة العالمية لمنتخب المغرب بعد تطوره المستمر في السنوات الأخيرة. فلم يعد المنتخب المغربي مجرد الحصان الأسود الذي خطف الأضواء في كأس العالم 2022، بل أصبح منتخباً يتمتع بالتنظيم والثقة والقدرة على تطوير المواهب ومنافسة القوى التقليدية في اللعبة.
واستفاد الفريق من استراتيجية الاتحاد المغربي التي جمعت بين تطوير اللاعبين محلياً واستقطاب المواهب التي نشأت وتكونت في أوروبا. في المقابل، تملك فرنسا، التي بلغت دور الثمانية بعد تخطي باراغواي، أسباباً تدفعها إلى التعامل بحذر مع منافسها، فرغم امتلاكها أحد أقوى الخطوط الهجومية في البطولة، فإن الفوز المغربي 3-صفر على كندا أظهر مجدداً ما يتمتع به المنتخب من سرعة وانضباط وطموح ليصبح من أبرز المنافسين على اللقب.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
صدام مرتقب بين المغرب وهولندا في دور 32 بكأس العالم
أشرف حكيمي يمثل أمام القضاء الفرنسي للطعن في قرار محاكمته بتهمة اغتصاب
أرسل تعليقك