رغم الإرث الملكي العائلي الذي يرتبط به الأمير سعود الفيصل -رحمة الله- فإن ذلك لم يكن السبب الوحيد وراء إطلالته الأميرية طيلة العقود الماضية، كممثل للسياسة السعودية إقليميًّا، والعربية في المحافل الدولية، فالفيصل درس وكافح وثقف نفسه بدرجة عالية، حتى وصل إلى ما وصل إليه من تألق في عالم الدبلوماسية.
للأمير الفيصل عديد من المواقف القوية الحكيمة في عدد من الملفات المهمة والحساسة، والتي أكسبته احترام العالم أجمع، وذلك على مستوى السياسة السعودية الخارجية، وكممثل عن الدول العربية جمعاء في المحافل الدولية.
ومن بين مواقفه التي تتسم بالصرامة، استياؤه لعمليات التدقيق المالي التي تعرضت لها السفارة السعودية في واشنطن، حيث اعتبر أن سلوكيات المدققين "غير ملائمة وعدائية"، معلنًا أن السفارة السعودية تتمتع بالحماية الدبلوماسية.
كذلك مقولته الجريئة في عام 2004، دفاعًا عن القضايا الإسلامية، حيث قال: "إن المصدر الأساسي للمشكلات في الشرق الأوسط ليس المسلمين، وإنما «انعدام العدالة» في المنطقة".
وعلى مستوى القضية السورية، دفع في مارس 2012 باتجاه تسليح المعارضة السورية، معتبرًا أن الواجب يقضي بدعمهم من أجل الدفاع عن أنفسهم ضد العنف الدموي اليومي، الذي تمارسه القوات السورية المسلحة، كما أنه كان يشجّع العراقيين على الدفاع عن سيادة بلدهم.
وعن ملف الإرهاب.. دعا الفيصل، الائتلاف الدولي الذي ينفذ ضربات جوية ضد مواقع تنظيم "داعش" الإرهابي في سوريا والعراق، إلى مواجهة هذا التنظيم على الأرض.
كما حذّر من تنامي دور إيران في العراق، متهمًا طهران بفرض سيطرتها عليه، عن طريق مساعدته في الحرب ضد التنظيم المتشدد، كما كان له موقف حازم في مسألة الحجاج الإيرانيين، إذ قام في مايو من عام 1985، بزيارة رسمية إلى طهران، هدفت للتركيز على مسألة الحجاج الإيرانيين، وتوضيح موقف المملكة منها، في خطوة شجاعة أوضحت للعالم مدى ثبات الرجل وقدرته على الدفاع عن قضيته دون تردد.
كذلك موقفه من قضية العرب الأولى، وهي القضية الفلسطينية، الذي لا يختلف كثيراً عن الإرث القومي لأبيه الراحل الملك فيصل بن عبدالعزيز، إذ طالب كوندوليزا رايس -وزيرة الخارجية الأمريكية- لدى شغلها المنصب بين عامي 2005 و2009، بالتركيز على قضايا أساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كما أن الفيصل كان يبوح في أحاديثه مع الدبلوماسيين والكتاب الأجانب -وفقًا لمقال «الإرث المحزن لدبلوماسي سعودي» للكاتب الأمريكي مايكل سالكمان في صحيفة «نيويورك تايمز» في ديسمبر 1999- بـ"خيبة أمل" كبيرة إزاء ما قدمه العرب والعالم المتحضر للقضية الفلسطينية، فقال: "لم نر بعدُ أي لحظة من الفرح في كل هذا الوقت.. لقد شهدنا أزمات وصراعًا فقط، وكيف يمكن أن يكون لديك أي متعة في أي شيء يحدث، عندما يكون لديك شعب منكوب مثل الفلسطينيين".
وتميزت السياسة الخارجية السعودية إبّان اعتلائه منصب وزير الخارجية، بالوقوف الحاسم ضد الاتحاد السوفيتي السابق، وميولها العربية القومية، فكان الفيصل يوصف بأنه يعارض -أكثر من غيره- أية مقترحات إسرائيلية، كما نجح في قيادة الجهود السعودية لإعادة تحسين صورتها الدولية، بعد هجمات 11 سبتمبر في كل من نيويورك وواشنطن.
كما لا ينسى الجميع كلمته لدى انطلاق "عاصفة الحزم"، حين قال: "نحن لسنا دعاة حرب، ولكن إذا قُرعت طبولها، فنحن جاهزون لها، فأمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمن المملكة والخليج والأمن العربي".
ولعل من أحدث مواقف الفيصل، رده على رسالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى القمة العربية الأخيرة في شرم الشيخ، مبديًا تحفظه على الرسالة، مشيرًا إلى أن روسيا جزء من مآسي الشعب السوري عبر دعمها للرئيس بشار الأسد.
كما لا ينسى أحد آخر كلماته -التي قالها في الـ31 مارس 2015، أمام مجلس الشورى السعودي- حيث عبر عن تردي حالته الصحية، وشببها بحال الأمة العربية، فقال: "إنني في دور النقاهة، وحالتي الصحية أشبه بحال أمتنا العربية".
أرسل تعليقك