انتبه علماء المسلمين لأحوال المجتمع الموجبة لقيام المدن، فاختلاف الناس فى القدرات والميول والإلهامات حتم عليهم التعاون لسد حاجة بعضهم البعض، حتى لا يهلك الجميع عجزًا أو تقصيرًا وإهمالًا لشؤون العمران، وهما يقول ابن خلدون فى مقدمته ذائعة الصيت: «الاجتماع الإنسانى ضرورى، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم الإنسان مدنى بالطبع أى لا بد له من الاجتماع، الذى هو المدينة فى اصطلاحهم، وهو معنى العمران»، فيما يرى ابن الأزرق افى كتابه «بدائع السلك فى طبائع الملك» أن الإنسان مدنى بالطبع، ليحفظ وجوده وبقاء نوعه، إذ لا يمكنه الانفراد بتحصيل أسباب معاشه. وهى مسألة يؤكدها ابن تيمية، حيث قال: «بنى آدم لا تتـم مصلحتهم لا فى الدنيـا ولا فى الآخـرة إلا بالاجتماع والتعاون على جلب منافعهم، والتناحر لدفع مضارهم».
ويعبر القزوينى عن حاجة البشر إلى المدن قائلاً: «لو اجتمع البشر فى صحراء لتأذوا بالحر والبرد والمطر والريح، ولو تستروا فى الخيام والخرقاهات لم يأمنوا مكر اللصوص والعدو، ولو اقتصروا على الحيطان والأبواب، كما ترى فى القرى التى لا سور لها، لم يأمنوا صولة ذى بأس، فأكرمهم الله تعالى باتخاذ السور والخندق والفيصل، فحدثت المدن والأمصار والقرى والديار.»
واهتم علماء الحديث بدراسة المدن والأمصار والأقاليم فأورد الإمام الذهبى فى كتابه «الأمصار ذوات الآثار» اسم تسع وعشرين مدينة وأقاليمها، وذكر تحت كل واحدة منها زمن بنائها وفتحها وصفاتها وبعض مشاهير علمائها وحفاظها وأعيان محدثيها.
وجاء الفقهاء ليتتبعوا مسار تخطيط المدن الإسلامية ومراحل إنشاء تكويناتها المعمارية، وأحكام الوقف لها، استنادًا إلى القرآن والسنة، فتعرضوا للبناء الواجب من مساجد وأربطة وحصون وأسوار وجسور وقناطر وسدود وغيرها، والبناء المندوب كالمآذن والأسواق، والبناء المباح كالمساكن والحوانيت، مع بيان القواعد التى تحكم هذا النوع من البناء باعتبار أن للسلطة السياسية شأنًا فيه، والبناء المحظور كبناء القبور والكنائس، والبناء على أرض الآخرين كمرفوض وملفوظ، كما تعرضوا لحكم التوسع فى البناء والتطاول فيه وزخرفته.
وانبرى الجغرافيون لبيان نصيب المدن من الأرض، وعرضوا تفاصيلها، من الداخل والخارج، وكان من أبرزهم محمد بن موسى الخوارزمى، الذى تناول تحديد درجات الطول والعرض لخمسمائة وتسع وثلاثين مدينة، وزعها على الأقاليم، والأمير عماد الدين إسماعيل بن محمد المعروف بأبى الفداء، حيث ذكر فى كتابه «تقويم البلدان» صفات المدن وضبط أسماءها، وحدد مواقعها.
وجاءت كتب فى المسالك والممالك، لتساعد على تبصير الإداريين والأمراء وعمال الدواوين بالعالم الإسلامى وحدوده ومعالمه، بما يساعد على دقة ضبطه وإدارته، فأفرد البكرى فى معجمه، الخاص بالجزيرة العربية، جانبًا للمدن والحواضر، وهى تعادل فى أيامنا هذه ما يعرف بالجغرافية الإقليمية، حيث أضافت معلومات عن المدن المتواجدة فى الأقاليم المدروسة، كالحديث عن الناس وعاداتهم وأحوالهم، والطرق والأسواق وموارد المياه والمساجد، والظهير الذى يحيط بالمدن، وأصل المدينة وتاريخها والتبدلات التى طرأت عليه بأثر تطورها الحديث. أما ياقوت الحموى فقد وسع الاهتمام فى «معجم البلدان» ليغطى أجزاء كبيرة من العالم الإسلامى، وبعده جاءت الموسوعات ( الجمهرات ) لتتحدث عن المدن باستفاضة مثل كتابات الوطواط والنووى وابن فضل الله العمرى والقلقشندى، وتجلى فيها الحديث عن المدن وسكانها وأحوالها وتقسيماتها.
وظهرت كتب الجغرافيا الإدارية التى تدرس المدن من الناحية الإدارية وقوانينها كما فى «قوانين الدواوين» لابن مماتى، و« لمع القوانين » للنابلسى وغيرهما، لتوضع خرائط عن المدن، كما فى خرائط مصر للإصطخرى والمقدسى والإدريسى وابن حوقل.
أما دراسة المدن من الداخل فتندرج تحتها كتب الخطط مثل التى وضعت عن مصر منذ النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى، فيما كتبه ابن الحكيم والكندى والمقريزى فى القرن التاسع الميلادى، وقد وضع الأخير دراسة مفصلة مشهورة لخطط مصر ومدنها وقراها، ومنها تواريخ عواصم الخلافة الإسلامية كمكة المكرمة والمدينة المنورة ودمشق وبغداد.
وأضافت كتب الرحالة تفصيلات ذات قيمة عن المدن، مما لفت نظر هؤلاء عما يخالف ما لاقوه فى بلادهم. وأشهر هذه الأعمال رحلة ابن جبير، ورحلة ابن بطوطة وغيرهما، كما أضافت كتب الحضارة والعمران خلال بحثها فى مدن العرب وأحوال البوادى والأرياف الكثير عن خصائص مواقع ومواضع المدن وشروط قيامها البشرية والطبيعية، وعوامل قيامها وزوالها.
وقتحدث علماء المسلمين عن الضوابط الواجب مراعاتها عند اتخاذ المدن والحواضر وإنشائها، فيقول ابن خلدون مثلًا إنها يجب أن تُحاط بسور يدفع المضار، وتحـتل موضـعًا منيعًا من الأمكنة على هضبة أو على نهر أو باستدارة بحر، وموقعًا يتمتع بطيب الهواء، ويُمكّن الناس من جلب الماء بأن يكون البلد على نهر أو بإزائه عيون عذبة، لضمان الشرب والزراعة وطيب المراعى.
وأضاف ابن الربيع والماوردى شروطًا أخرى منها عند الأول: تقدير طرق المدينة وشوارعها لتكون مناسبة، غير واسعة ولا ضيقة، ويُبنى مسجد فى أوسطها، وتقدر أسواقها بكفايتها، لينال سكانها حوائجهم من قرب، وأن يميز قبائل سكناها بأن لا يجمع أضداد مختلفة متباينة، ويٌنقل إليها من أهل الصنائع بقدر حاجة سكانها. أما الثانى فقد صنف المدن وفق وظائفها، وتحدث عن تركيبها الداخلى وشروط اختيار موقعها ومميزاتها بصورة تلائم الأحوال الاجتماعية والاقتصادية السائدة آنذاك.
ويحدثنا اليعقوبى عن تخطيط بغداد، وكيف أمر الخليفة أبو جعفر المنصور مخططيها أن يوسعوا فى الحوانيت ليكون فى كل ربض من السكك والدروب النافذة وغير النافذة ما تعتدل به المنازل، وأن يسموا كل درب يسكنونه، وحدد لهم عرض الشارع بخمسين ذراعًا، والدروب ستة عشر ذراعًا.