بقلم - عبد اللطيف المناوي
لعل أفضل دليل على أن خطاب هانى سويلم أصاب هدفه السياسى والإعلامى أن وزارة المياه والطاقة الإثيوبية سارعت إلى الرد عليه رسميا، واصفة حديثه بأنه تعبير عن «عقلية استعمارية»، ومطالبة مصر بالتخلى عن «أحلام الهيمنة» وقبول «الواقع الجديد». غير أن حدة الرد لم تخف غياب الإجابة عن الأسئلة الجوهرية، لماذا ترفض أديس أبابا اتفاقا قانونيا ملزما؟ وأين قواعد التشغيل فى سنوات الجفاف؟ ولماذا لا توجد آلية لتبادل البيانات والإخطار المسبق بالسدود الجديدة؟ لقد أعادت إثيوبيا النقاش إلى مفردات السيادة والاستعمار، بينما أبقته مصر فى مساحة القانون والآثار العابرة للحدود. وهذه نتيجة مهمة للتحول المصرى، لم تعد القاهرة تدافع عن نفسها أمام الرواية الإثيوبية، بل أصبحت تضع أديس أبابا فى موقع المطالبة بالتفسير والضمانات. قيمة خطاب سويلم لا تكمن فقط فى قوته، بل فى نقله المعركة من الانفعال إلى الحجة، ويبقى نجاحه مرهونا بتحويلها إلى سياسة دولة مستمرة.
يجب ألا نقع فى فخ المبالغة. لا تحتاج الحجة المصرية إلى شائعات عن انهيار وشيك للسد، ولا إلى قصص غير موثقة عن خطط سرية أو استخدامات غامضة للكهرباء. مثل هذه الروايات تضعف القضية الأقوى، وهى أن منشأة بهذا الحجم على نهر دولى لا يجوز أن تخضع للنوايا الحسنة وحدها. مصر لا تطلب امتلاك قرار إثيوبيا، بل تطلب ألا تمتلك إثيوبيا منفردة قرار حياة الآخرين.
لقد تأخر هذا النوع من الخطاب. فقد ظلت مصر سنوات تتحدث بلغة فنية حذرة، بينما كانت إثيوبيا تبنى السد وتبنى معه روايتها السياسية. لكن الاعتراف بالتأخر لا يقلل من قيمة التصحيح. ما فعله هانى سويلم هو أنه جمع عناصر الموقف المصرى فى معادلة قابلة للفهم دولياً، ندرة حقيقية لا ادعاء، وتنمية أفريقية ندعمها لا نعرقلها، وقانون دولى لا يمكن القفز فوقه، وسلام لا يعنى الاستسلام للأمر الواقع.
هذا ليس بديلا عن أدوات الدولة الدبلوماسية والقانونية والاقتصادية وأدوات الردع. لكنه بداية أكثر نضجاً لمعركة تمنع تحويل النهر إلى وسيلة ابتزاز من دون دفع المنطقة إلى اندفاع غير محسوب. المهم أن يصبح هذا التحول نهج دائم. أمن النيل لا يحميه الغضب وحده، وإنما تحميه دولة تعرف حجتها، وتبنى نفوذها، وتحسن توقيت أفعالها.
وللمصادفات أحياناً بلاغتها الخاصة. فقد استدعى اسم هانى سويلم إلى ذاكرتى محمد أبو سويلم، بطل فيلم «الأرض»، وجملته التى بقيت فى الوجدان المصرى: «كنا رجالة ووقفنا وقفة رجالة». ليست المقارنة بين شخصية سينمائية ومسؤول فى الدولة، ولا تكفى الكلمات وحدها لصناعة المواقف. لكن المعنى الذى عبر عنه أبو سويلم يظل حاضراً، أن قيمة القول لا تكتمل إلا حين يتحول إلى وقفة، وأن الدفاع عن الأرض والماء ليس انفعالا عابرا، بل مسؤولية تُقاس بما يُدفع من أجلها وبما يتحقق بعدها. لقد قال وزير الرى كلامًا يليق بخطورة اللحظة، ويبقى أن تثبت سياسة الدولة أن وراء الكلام وقفة بنفس المستوى.