فن التنفيس السياسي

فن التنفيس السياسي

فن التنفيس السياسي

 عمان اليوم -

فن التنفيس السياسي

بقلم : عمرو الشوبكي

عاشت مجتمعات كثيرة فى ظل نظم غير ديمقراطية ولكنها عرفت مساحات للتنفيس السياسى فرّغت احتقانات كثيرة، وأجهضت ثورات، وأضعفت احتجاجات، وهمشت عنفاً.

والمؤكد أن التنفيس السياسى كان من سمات بلدان عربية وغير عربية كثيرة، على رأسها مصر، فقد اتسم نظام مبارك غير الديمقراطى بقدرة هائلة على التنفيس السياسى جعلت بقاءه وخروجه من السلطة يتم بصورة غير دموية مقارنة بتجارب أخرى فى العالم العربى، وحافظ على تماسك المجتمع من الانقسامات والتخوين والعنف المادى واللفظى وأبقى صراعاته بين نخبه السياسية.

والحقيقة أن هناك نظماً عربية أخرى غير ديمقراطية حافظت على بقائها بالتنفيس، ومعه الكفاءة والرشادة السياسية وهامش ديمقراطى مقيد مثل المغرب، وهناك دول أخرى وضعت نظاما سياسيا متكاملا، عُرف فى علم السياسة بالتعددية المقيدة، مثل إيران، وتركيا وكثير من دول أمريكا الجنوبية فى بداية تحولها الديمقراطى، كلها كانت لديها تعددية محكومة بخطوط حمراء، مثل نظام الولى الفقيه فى إيران الذى لا يُمس، حتى لو اختلفت تحت إطاره أحزاب وتيارات سياسية تنفس عن الناس، وهناك المؤسسة العسكرية فى تركيا التى كانت تمتلك حق الفيتو على العملية السياسية وتدخلت ثلاث مرات بصورة دموية، ولكنها فى كل مرة سمحت لهامش واسع من التنفيس السياسى، بل وتداول السلطة بين الأحزاب العلمانية المختلفة بشرط أن تكون موالية للجيش ومحافظة على العلمانية، وتكررت مشاهد مشابهة فى كثير من دول أمريكا الجنوبية فى السبعينيات والثمانينيات حين قام الجيش بانقلابات عسكرية عديدة فى البرازيل والأرجنتين وغيرها، ومع ذلك كان هناك هامش ما للتنفيس السياسى ضاق واتسع من بلد إلى آخر، إلا أنه ظل موجودا.

يقيناً أن نظماً مثل ليبيا القذافى، وسوريا «آل الأسد»، وعراق صدام حسين، كلها أُمم فيها بالكامل المجال العام والسياسى لصالح السلطة القائمة ولم تعرف أى مساحة للتنفيس السياسى، فكانت نهايتها مأساوية ودامية، وكانت هذه النظم سببا فى الغزو أو التدخل الأجنبى وهدم الدولة ومآس مازال يعيشها سكان هذه الدول.

والحقيقة أن فن التنفيس السياسى لا يعنى أن كله تمام، ولا أن البلد ديمقراطى، ولا أنه بالضرورة على الطريق الصحيح، إنما يعنى أنه قادر على أن يخرج من مراحل الأزمات الكبرى بأقل الخسائر، وأن يكون قادرا على أن يضع نفسه على الطريق الصحيح.

والحقيقة أن التنفيس لا يعنى فقط هامش الكلام والاحتجاج المقيد الذى عرفناه فى عهد مبارك، إنما قد يكون إنجازاً حقيقياً على الأرض يعوض غياب الديمقراطية، فبلاد أوروبا الشيوعية كانت تعيش فى ظل دول قوية أنجزت فى الصناعة والزراعة والفنون والبحث العلمى ونسب الأمية المنخفضة، وكانت مشكلتها فى وجود نظم سياسية شمولية، ولذا حين تحولت نحو الديمقراطية كانت قضيتها مع نظام سياسى غير ديمقراطى وليس أشباه دولة، كما تحدث الرئيس السيسى عن مصر.

ونفس الأمر يمكن سحبه على تجربة عبدالناصر، فلم تكن بالتأكيد تجربة ديمقراطية، ولكنها حققت إنجازات اجتماعية واقتصادية ودوراً مؤثراً فى العالم عوضت الناس غياب الديمقراطية، فيقيناً كان الوضع الاقتصادى أفضل مما هو عليه الآن، ومعدلات الفساد أقل بما لا يقارن، وشعبية الرجل واسعة واستثنائية، وشباب مصر كان يناضل من أجل الاستقلال والتحرر كأولوية وليس الديمقراطية، وكانت الدولة «القطاع العام» تضم أفضل الخبرات والكفاءات، وفرص الناس فى العمل فى المؤسسات الخاصة أو العالمية محدودة جدا، وكل العاملين فى مصر تقريبا يعملون فى مؤسسات الدولة، ويقرأون أهرام هيكل ومعها الأخبار وأحيانا الجمهورية، ويشاهدون ثلاث قنوات مصرية لا عالم السماوات المفتوحة ولا مواقع التواصل الاجتماعى.

كان هناك عصر كامل لم يكن الطلب فيه على الحرية السياسية واسعاً، وكانت حدود التنفيس السياسى تقف عند معارك التحرر من الاستعمار والفرح بالمشاريع الكبرى (المدروسة جيدا، وأثبتت مع الزمن نجاحها، كالسد العالى وغيره) وكان لديها تنظيم سياسى واحد مثل كل تجارب التحرر الوطنى فى العالم كله، ضم الغالبية العظمى من الراغبين فى العمل السياسى.

 

omantoday

GMT 16:46 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

لا خيل

GMT 16:45 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

قراءة في مجلس الملك

GMT 16:44 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

ترمب: لكن في النهاية... كلنا سنموت على أي حال

GMT 16:43 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

إذ يتحرّق الحوثيّون لمقاتلة إسرائيل من لبنان

GMT 16:41 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

لبنان بين الفرنسة والفرسنة

GMT 16:40 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

الحياد أمام مأساة إنسانية!

GMT 16:39 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

الشعارات الخادعة والواقعية الناجحة

GMT 16:37 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

السياب... دائماً

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فن التنفيس السياسي فن التنفيس السياسي



هيفاء وهبي تعيد تعريف أنوثة الدانتيل بين الجرأة والرومانسية

ميلانو - عُمان اليوم

GMT 09:39 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

دليل شامل للعناية بالأثاث المنجد وحمايته من التلف
 عمان اليوم - دليل شامل للعناية بالأثاث المنجد وحمايته من التلف

GMT 04:28 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الأسد الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 21:10 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

تنفرج السماء لتظهر الحلول والتسويات

GMT 04:43 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج العقرب الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 08:49 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج الجوزاء
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon