سيُقرأ الاقتراعُ الاستطلاعيُّ الثالثُ الذي يجريه مجلسُ الأمن لاختيار الأمينِ العام المقبل للأمم المتحدة على أنَّه منافسةٌ تحكمُها الأرقام. غير أنَّ القضية الأساسية تتعلَّق بطبيعة المنصبِ نفسه، في وقتٍ يشهد فيه النظامُ الدوليُّ مزيداً من التشرذم وتراجعاً في الثقة بالمؤسسات متعددة الأطراف.
وبالنسبة إلى الدول العربية، لا يتعلَّق الأمر بخيارٍ مؤسسي مجرد. فالنزاعاتُ وإعادة الإعمار، والأمن الغذائي وأمن الطاقة، وضغوطُ المديونية، ومساراتُ التنويع الاقتصادي، كلُّها تتطلب كتلةً متحدة قادرة على الربط بين الدبلوماسية والعمل الاقتصادي.
يتوفَّر المرشحون على نقاطٍ قوة متكاملة. فقد توَّلت ميشيل باشيلي رئاسة تشيلي مرتين، كما قادت هيئةَ الأمم المتحدة للمرأة والمفوضية الأممية السامية لحقوق الإنسان. أمَّا رافائيل غروسي، فقد أدارَ ملفاتٍ حساسة في مجال الدبلوماسية النووية على رأس الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتجمع كارولين رودريغز- بيركيت بين خبرتها وزيرةً لخارجية غيانا وإلمامها بأوضاع الدول الأكثر عرضة لتداعيات تغير المناخ.
وترأست ماريا فرناندا إسبينوزا الجمعية العامة للأمم المتحدة، في وقت قاد ماكي سال كلاً من السنغال والاتحاد الأفريقي. وعمل أولارا أوتونو على قضايا الأطفال المتضررين من الحروب، في حين تتمتَّع إيفون آ-باكي بخبرة دبلوماسية واسعة. أمَّا ريبيكا غرينسبان، فقد امتدَّت مسيرتها بين العمل الحكومي الوطني والتعاون الإقليمي ومنظومة الأمم المتحدة، بدءاً من منصب نائبة رئيس كوستاريكا، مروراً ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والأمانة العامة الأيبيرية - الأميركية، وصولاً إلى هيئة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.
وينبغي تقييم هذه الخبرات في ضوء التحديات التي ستواجه من سيخلف أنطونيو غوتيريش.
يتمثل التحدي الأول في حالة الشلل الجيوسياسي. فالأمين العام لا يستطيع إجبارَ القوى الدولية على الاتفاق، لكنَّه يستطيع إبقاءَ قنوات التواصل مفتوحة، واقتراح ترتيبات قابلة للتطبيق، ومنع الخلافات من إغلاق جميع سبل التعاون.
وتبرز تجربة غروسي في التعامل مع المنشآت النووية المعرضة للخطر أهمية المصداقية والانخراط مع الأطراف المتنازعة. كما تعكس تجربة أوتونو ضرورة إبقاء حماية المدنيين في صلب النقاشات الاستراتيجية.
وقد قدَّمت مبادرة حبوب البحر الأسود، التي توسَّطت فيها الأمم المتحدة وتركيا، نموذجاً آخر للوساطة. فقد ربط الدور الذي أدته غرينسبان بين المفاوضات المتعلقة بروسيا وأوكرانيا، من جهة، والتجارة البحرية، وإمدادات الأسمدة، والأمن الغذائي من جهة أخرى. وتكمنُ أهمية هذه التجربة في إدراك أنَّ ترتيباً اقتصادياً تقنياً يمكنه إتاحة قدر محدود من التعاون في زمن الحرب وتحقيق فوائد إنسانية تتجاوز منطقة النزاع. أمَّا التحدي الثاني، فهو انعدام الأمن الاقتصادي. فأعباءُ الديون تحدّ من قدرة الحكومات على تقديم الخدمات، في حين تزيد صدمات الغذاء والطاقة من الضغوط الاجتماعية. كما تعمق الهشاشة المناخية وعدم المساواة وصعوبة الوصول إلى التمويل الشعور بأنَّ النظام الدولي لا يخدم جميع الدول على قدم المساواة.
وتسلط مواقف رودريغز- بيركيت الضوء على هشاشة الدول الصغيرة. أمَّا سال، فقد عبَّر عن أولويات التنمية الأفريقية، في حين تبرز مسيرة باشيلي العلاقة بين الحماية الاجتماعية والشرعية المؤسسية.
وتربط خبرة غرينسبان في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والهيئة الأممية للتجارة والتنمية بين الواقع الداخلي للدول، والهياكل الدولية التي تحكم الديون والاستثمار والتجارة وتمويل التنمية. لذلك؛ يتعيَّن على الأمين العام المقبل أن يفهمَ المفاوضاتِ بين الدول، والضغوط الاقتصادية التي تشكّل سلوكها.
ويكمنُ التحدي الثالث داخل الأمم المتحدة نفسها. فالمنظمةُ تواجه قيوداً مالية، وتوسعاً في ولاياتها، وتراجعاً في الثقة بقدرتها على تحقيق النتائج. وتوفر رئاسة إسبينوزا للجمعية العامة رؤية بشأن الإصلاح المؤسسي، في حين تُظهر قيادة غرينسبان للأمانة العامة الأيبيرية - الأميركية والهيئة الأممية للتجارة والتنمية خبرةً في التوفيق بين الطموحات المؤسسية والقيود السياسية والمالية.
ولا يمكن اختزالُ الإصلاح في إعادة تنظيم الإدارات. فهو يتطلَّب أولوياتٍ أكثرَ وضوحاً، ومساءلةً حقيقية، وشراكاتٍ مع المنظمات الإقليمية ومؤسسات التنمية والمجتمع المدني، ومع القطاع الخاص. كما يتعيَّن على الأمين العام المقبل أن يعرفَ المنظومة جيداً بما يكفي لإصلاحها.
ومن شأن اختيار أول امرأة لمنصب الأمين العام أن يمنحَ هذه العملية أهميةً تاريخية. وستكون النتيجة الأقوى هي التي تجمع بين هذا الاستحقاق وبين الكفاءة التنفيذية والدبلوماسية.
تكشف الاقتراعات الاستطلاعية عن مستويات التأييد، لكنَّها لا تقيس جميع المؤهلات التي يتطلّبها المنصب. وينبغي لمجلس الأمن أن يبحثَ عن شخصية مارست المسؤولية في حكومة وطنية، وفهمت قضايا التنمية من داخل الأمم المتحدة، وبنت توافقاً بين دول متباينة سياسياً، وأدارت مؤسسةً دولية تحت ضغوط مالية وجيوسياسية. فالمطلوبُ قائدٌ يستطيع التَّحركَ بين الدبلوماسية والاقتصاد، وبين الحكومات والأسواق، وبين الأزمات وأسبابها البنيوية.
لا يمكن لأي مرشح أن يجسّدَ جميعَ هذه المؤهلات. لكن المرشح الأقوى سيكون من تكشف مسيرته عن قدرة سابقة على الربط بين هذه العوالم المختلفة، وتحويل مبادئ العمل متعدد الأطراف إلى نتائج ملموسة.