اللغةُ مكمنُ الحضارةِ العربية

اللغةُ... مكمنُ الحضارةِ العربية!

اللغةُ... مكمنُ الحضارةِ العربية!

 عمان اليوم -

اللغةُ مكمنُ الحضارةِ العربية

بقلم:تركي الدخيل

لا تنبعُ أهميةُ اللغةِ العربيةِ، من محبَّةِ أبنائِها لهَا فحسب، فهذا دافعٌ يفرضُه الانتماءُ وتُلزِمُهُ الهُويَّة، وهو من المُشتركاتِ التَّي يتوافقُ عليها البشرُ كلُّهم، وإنّما الأمرُ عائدٌ أيضاً إلى تلكَ السياقاتِ التاريخيةِ التي تخلّقت فيها العربيّة، وحَتَّمَت عليها أن تكونَ لغةً ثرية، بل غاية ما تكونُ عليه اللغاتُ من ثراءٍ معنًى ومبنًى.

ولعلَّ من نافلةِ القولِ، الإشارةَ إلى ما كانَ عليه العربُ من فقرٍ في الحضارةِ المادية، قبلَ ظهورِ الإسلام، حيث كانتِ الجزيرةُ العربيةُ تعيش قسوةً في مناخِ مناطقِها وأغلبِ تضاريسِها، وهو ما فرض ذاك الفقرَ الحضاريَّ المادي، في مجالات البناءِ والعمارةِ والتشييدِ والابتكار، ناهيك عن نُدرةِ المناخِ الخلَّاب، والطقسِ المعتدل، والأرضِ السَّهلةِ الخصبة، وتوفّر الماءِ في الواحاتِ، والبحيراتِ والأنهارِ والجداولِ، كحالِ تضاريس أغلبِ المناطقِ التَّي تسكنُها الشعوبُ.

وأمامَ نُدرةِ عناصرِ الإبداعِ الواقعيّ العامّ، مالتْ كفّةُ الخَلقِ والابتكار، صوبَ عناصرِ اللغة: أصواتِها وإيقاعِها وبلاغتِها، فكانتْ فضاءَ العربيِّ، الذي صنعَ فيه حضارتَه، وتميّز بها.

ومع أنَّ الكتابةَ والقراءةَ، لم تكونَا منتشرتيْن بينَ العرب، حتى بُعَيْد مجيء الإسلام، فإنَّهما لم تمنعَا العربيَّ من الإبداع في لغتِه وبها، بل لم تمثّلا بالنسبةِ إليه، الوسيلةَ الوحيدةَ للتعبير عن خوالجِ نفسِه، وتدبيرِ أفكارِه ومعارفِه وثقافتِه.

لقد كانَ قادةُ الفكرِ في المجتمعِ العربيّ آنذاك، يصوغونَ أفكارَهم باقتدارٍ، مع أنَّ جلَّهم، لم يكن يحسنُ القراءةَ والكتابة.

ويبدو أنَّ المجتمعاتِ العربيةَ، لم تكن تواجهُ أيَّ حاجةٍ حقيقيةٍ لوفرةِ من يقرأ ويكتبُ، ولمَّا لم تبرز هذه الحاجةُ، لم يجدِ العربُ أنفسَهم مضطرينَ لمعرفةِ ما لا يحتاجونَه، حاجةً حقيقية في حياتِهم اليومية.

وفي مقابلِ ذلك، حَضرَ الشّعرُ، بوصفِه الفنَّ الرئيسَ، من فنونِ اللغةِ عند العرب، وعلمَهم الذي لم يكنْ لهم علمٌ أصحُّ منه، على حدّ قولِ عمرَ بنِ الخطاب رضيَ اللهُ عنه. كانَ حضورُه طاغياً، بينَهم، وبهِ كانوا يُوثِّقون أيامَهم، وأحداثَهم، وحروبَهم، ومعاركَهم، وبالشّعرِ كانُوا يفخرونَ ويتفاخرونَ على بعضِهم بعضاً، وبهِ كانوا يمدحونَ بعضَهم، وبه يتهَاجونَ أيضاً.

كانَ الشّعرُ يُلبّي كلَّ حاجاتِهم الرئيسةِ والفرعية، ولك أن تتخيَّلَ، كيفَ كانَ هؤلاءِ يحترمونَ ويقدّرون الشَّاعرَ المجيدَ، وكيفَ ستكونُ منزلةُ الشَّاعرِ الفحلِ في قبيلتِه، وبين قومِه.

هذه المنزلةُ الرفيعةُ للشَّاعر، كانت تحرّضُ كلَّ عربيّ، على بذلِ كلّ ما يستطيعُ من جهدٍ، لعلَّه يكونُ شاعراً مفلّقاً، يُشار إليهِ بالبَنان، ويُلجأ إليه في الملمَّات.

وإلى جانبِ الشّعر، وبهِ، حَضرتِ الخطابةُ، بوصفِها فنّاً من فنونِ اللغة، فهي الوسيلةُ الإعلاميةُ الرئيسية، التي يمكنُ عبرَها إيصالُ الأفكارِ إلى الناس، وكانَ إقناعُ المستمعين يستلزم توافر الخطيبِ على أساليبَ بديعيةٍ تجذبُ الانتباه، بل وتسلبُ الألبابَ، فإذا سلبَ الخطيبُ لبَّ المستمع، باتَ إيصالُ الأفكارِ إليه والتأثيرُ فيه، وتغييرُ آرائِه، أموراً سهلةً، لا تحتاجُ إلى مزيدٍ عناءٍ وتكلّفٍ.

وفي الشّعرِ والخطابةِ، تنافسَ كلُّ من تمكَّنَ في هذين الفنين، على أن يبتكرَ في منتجِه داخلَ الفن، ما يكون من حيث القوةُ والسلاسةُ والإيجازُ والإعجاز، سبباً في سهولةِ حفظِه، ويُسر نقلِه، من شخصٍ إلى آخر، حتى يكونَ انتشارُه بين النَّاسِ سريعاً، وسيرُه في الآفاق عَدْواً وركضاً، لا سيراً مجرَّداً.

وهذا يعني أنَّ المبدعين العربَ القدامى، من الشُّعراءِ والخطباء، كانوا آنذاك، يتنافسونَ على ما يُسمّى اليوم، بلغة السوشال ميديا (الترند)، وهو الموضوعُ الأكثرُ انتشاراً... ولكنْ بمقاييسِ عصرِهم، وآلياتِ زمانِهم. ولك أنْ تتخيَّلَ أنَّ معيارَ النبوغ، عندَ العربِ المتقدِّمين، كانَ القدرةَ على نظمِ الشّعر المميَّز في عمرٍ متأخّر، لمنْ لم يقلْ شعراً في بواكيرِ شبابِه!

 

omantoday

GMT 20:15 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

ثلاثة مسارات كبرى تقرّر مستقبل الشّرق الأوسط

GMT 20:12 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

لا تعزية حيث لا عزاء

GMT 20:11 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

حطب الخرائط ووليمة التفاوض

GMT 20:10 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

خرافات العوامّ... أمس واليوم

GMT 20:08 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

لماذا فشلت أوسلو ويفشل وقف إطلاق النار؟

GMT 20:08 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

الخصوصية اللبنانية وتدوير الطروحات المستهلكة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اللغةُ مكمنُ الحضارةِ العربية اللغةُ مكمنُ الحضارةِ العربية



تنسيقات مثالية للنهار والمساء لياسمين صبري على الشاطيء

القاهرة ـ عمان اليوم

GMT 00:00 2020 الإثنين ,07 كانون الأول / ديسمبر

يجعلك هذا اليوم أكثر قدرة على إتخاذ قرارات مادية مناسبة

GMT 09:44 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعه 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج الجدي

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 16:24 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 04:52 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الجدي الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 21:50 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 18:09 2020 الجمعة ,28 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 09:54 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج الحوت

GMT 16:45 2019 الخميس ,04 إبريل / نيسان

أبرز الأحداث اليوميّة عن شهر أيار/مايو 2018:

GMT 04:47 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج القوس الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 21:47 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 05:24 2023 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 23:57 2020 الأحد ,06 كانون الأول / ديسمبر

ينعشك هذا اليوم ويجعلك مقبلاً على الحياة

GMT 19:30 2020 الخميس ,28 أيار / مايو

ينعشك هذا اليوم ويجعلك مقبلاً على الحياة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon