بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي
الحرب الإيرانية - العراقية كانت هي حرب الخليج الأولى في الثمانينات، وحرب الخليج الثانية كانت مع «عاصفة الصحراء» والتحالف الدولي الذي أخرج صدّام حسين وجيشه من الكويت بداية التسعينات، أما الثالثة فكانت في 2003 وانتهت بسقوط نظام صدام حسين، وهذه الحرب هي حرب الخليج الرابعة.
حرب إيران ضد دول الخليج العربي تمَّت منذ اليوم الأول تحت شعار استهداف القواعد العسكرية الأميركية التي يأتي منها الهجوم على إيران، ثم انتقل إلى الهجوم على أي وجودٍ غربي، عسكرياً كان أم مدنياً، وانتهى الأمر إلى الهجوم المكثف على الأهداف المدنية في دول الخليج، إنْ تلك التي تتعلق بإنتاج الطاقة أو بغيرها من الأماكن المشهورة أو الاستثمارات العالية.
واجهت دول الخليج والأردن العدوان الإيراني سياسياً عبر النجاح في استصدارِ قرارٍ من الأمم المتحدة بإدانة هذا الاعتداء، ثم عبر عقد «اجتماع تشاوري» لعددٍ من الدول العربية والإسلامية المجاورة لإيران، وبعيداً عن العقلانية هوجم هذا الاجتماع صاروخياً من إيران، وقد أدلى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بتصريحاتٍ مهمةٍ في المؤتمر الصحافي بعد نهاية الاجتماع، وقال: «على إيران أن تعي أن دول الخليج قادرة على الردّ السياسي وغيره، ولن تتجنب الدفاع عن بلدانها»، وتابع: «آمل في أن يفهموا رسالة هذا الاجتماع، ويتوقفوا عن استهداف جيرانهم، ولكنني أشكّ أن لديهم هذه الحكمة» حسب هذه الصحيفة.
الحديث واضحٌ في أن «الردود السياسية متاحة والردود غير السياسية متاحةٌ»، وهي تصريحاتٌ بالغة الأهمية لمن كان له قلبٌ فطنٌ وعقلٌ حصيف، واتصالات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بقيادات دول الخليج، وتواصل وزيرَي الدفاع والداخلية السعوديين مع نظرائهما الخليجيين، مع التصريح بالدعم السعودي الكامل لهذه الدول في كل ما تحتاج إليه، والإعلان عن آلاف الشاحنات التي دخلت من السعودية لهذه الدول الشقيقة... كل ذلك يمثل رسالةً مهمةً بأن مجلس التعاون الخليجي ليس مجرد واجهة سياسيةٍ، بل هو مجلس يؤكد أن دول الخليج لديها وعيٌ عميقٌ بقيمتها وأهمية اجتماعها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
رفض «حلف الناتو» التدخل في هذه الحرب مع أميركا، ما أثار غضب الرئيس ترمب، ولهذا الموقف بعدٌ تاريخيٌّ مهمٌّ، وهو أن الخميني ظلّ ضيفاً على فرنسا يدير منها ما سمّيت لاحقاً «الثورة الإسلامية» ضد الشاه، وبعدما سقط الشاه وصل إلى طهران على متن طائرةٍ فرنسيةٍ، وكانت أميركا وبعض الدول الأوروبية من أولى الدول التي اعترفت بالنظام الجديد، وقد رفضت الدول الأوروبية وأميركا على مدى خمسة عقودٍ النظر في مخاوف دول الخليج، وقد تغيَّر الكثير في خمسة عقودٍ.
قوة الآيديولوجيا لا تستطيع أن تمحو ضعف الأخلاق، وفي أخلاق الأمم والدول والأفراد أنه حين يهاجمك القويُّ لا ترد عليه بمهاجمة الضعيف أو من تظنه ضعيفاً؛ فذلك جبنٌ، بل الأخلاق تعني مواجهة القوي.
هل يجب على دول الخليج الرد عسكرياً على استهدافها أم الأفضل هو أن تنأى بنفسها عن هذه الحرب التي لم تكن طرفاً فيها منذ البداية؟ سؤالٌ مهمٌّ والجدل حوله مستحقٌّ، وبعيداً عن الحماسة التي تُغري بالرد، وعن الأناة التي تدفع إلى الصبر، يجب أن تتجلى الحكمة في أبهى صورها والسعي لحساب المصالح والخسائر بميزان الذهب الدقيق.
أحد محركات التبصر في المشاهد المتشابكة والمركَّبة يكمن في السعي إلى التوازن في القراءة والوصف ثم الدقة في العرض والتحليل، من دون حماسةٍ يدفع لها الفخار والحميّة الوطنية، ومن دون قفزٍ على الواقع ولا استحضارٍ لما لا يفيد استحضاره من الماضي، والسعي المضني لتقطير حكمة التاريخ ومنطقه مع رسم السيناريوهات المستقبلية لمآلات الأحداث والقرارات.
صرّح مسؤولٌ إيراني، معبراً عن شكوى مريرةٍ لديه، مستغرباً من أنه لم تقف مع إيران أي دولةٍ عربيةٍ أو مسلمةٍ. وقد كان جديراً أن يطرح على نفسه سؤال: لماذا؟ ما سياسات إيران الآيديولوجية والسياسية والعسكرية التي جعلت كل دول جوارها وكل الدول المسلمة تنأى بنفسها عنها، بما يشكل شبه إجماعٍ بين هذه الدول؟ والجواب عن هذا السؤال يمكن أن يفتح جدلاً بين صناع القرار في إيران، ويمكن أن يشكِّل بدايةً لفتح أملٍ جديدٍ لإيران الدولة وإيران الشعب.
في تاريخ منطقتنا قامت حروبٌ غير متكافئةٍ قُدِّر لها أن تُخرج في كل حربٍ شخصيةً تعبّر تعبيراً صارخاً عن الكذب والتزوير وخداع الشعوب؛ ففي حرب 1967 كانت شخصية أحمد سعيد، وفي حرب إسقاط صدام حسين كان سعيد الصحاف، وهذه الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران حقيقةٌ أن تُخرجَ نموذجاً جديداً.