يوم تهاوت المباني وصمدت التماثيل

يوم تهاوت المباني وصمدت التماثيل!

يوم تهاوت المباني وصمدت التماثيل!

 عمان اليوم -

يوم تهاوت المباني وصمدت التماثيل

زاهي حواس
بقلم - زاهي حواس

كاد يوم الأحد، الحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1992، يمر كيوم عمل عادي لولا المفاجأة التي لم يتوقعها أحد. فوجئت بأحد مساعديّ في موقع حفائر جبانة العمال بناة الأهرامات يدخل مسرعاً إلى مكتبي وهو مضطرب يدعوني للذهاب معه فوراً إلى موقع الحفائر الذي يبعد عن مكتبي مسافة 800 متر فقط، وذلك لوجود كشف مهم. كنا وقت الظهر تقريباً عندما تحركنا معاً إلى موقع حفائر مقابر بناة الأهرامات، الذي يقع في ظلال أهرامات الجيزة. وكان قد تم الكشف عنه مصادفة قبل عامين من التاريخ السابق بعدما تعثرت قدم حصان في جدار من اللبن مدفون أسفل الرمال.

لم يستغرق الأمر سوى دقائق معدودة حتى كنت داخل حجرة دفن مربعة التخطيط منحوتة في الصخر الهش بالجبانة العليا، التي خصصت لدفن الفنانين وكبار رؤساء العمال ورؤساء الحرف ممن عملوا في بناء الأهرامات خلال عصري الأسرة الرابعة والأسرة الخامسة.

وفي أحد جدران الحجرة تم نحت سرداب، وهي كلمة نطلقها على (النيشة، أو الفجوة) المنحوتة في الصخر أو المبنية والمغلقة بجدار مبني ليخفي ما وراءه من تمثال للمتوفى صاحب المقبرة، تاركاً فتحة صغيرة كنقطة اتصال للتمثال بين عالم الأحياء وعالم الأموات. وبالفعل كان واضحاً وجود سرداب منحوت في الصخر ومغلق بثلاثة مداميك من الحجر الجيري محكمة الغلق عن طريق قوالب من الطوب اللبن في النهاية العليا للسدة، وتم كساء السدة هذه بطبقة من الملاط. وبالنظر من خلال الفتحة الصغيرة الموجودة بالجدار شاهدت أجمل وجه لتمثال منحوت من الحجر الجيري وملون بألوان زاهية كما لو كانت وضعت بالأمس وليس منذ أكثر من 4000 سنة! تناوبت أنا وفريقي المستعد النظر داخل السرداب لمشاهدة وجه التمثال الرائع وكنا جميعاً متأكدين أننا كشفنا عن تمثال صاحب المقبرة، وكنا نمني أنفسنا بأننا بمجرد أن نخرجه من السرداب سنتمكن من قراءة اسم صاحب المقبرة المكتشفة. خاصة وأن تمثالاً كهذا مكتمل النحت والألوان لا بد أن يكون اسم صاحبه منقوشاً على قاعدته كما عودنا الفنان المصري القديم.

وبالفعل بدأنا في توثيق السرداب ومدخله المغلق قبل القيام بإزالة السدة من الطوب اللبن والأحجار، وهنا كانت المفاجأة التي لم نتوقعها قط! لم يكن داخل السرداب الضيق تمثال واحد فقط بل أربعة تماثيل مختلفة الأحجام تمثل صاحب المقبرة في مراحل عمرية مختلفة من الصبا وحتى الشيخوخة، وهذا أمر فريد في الفن المصري القديم. ولقد سعدنا عندما قرأنا اسم صاحب التماثيل الأربعة منقوشاً عليها بخط هيروغليفي واضح، وهو المدعو إنتي شيدو، وكان يشغل منصب رئيس مراكب الإلهة نوت. ويبدو أن إنتي شيدوا كان رئيس النجارين في مجتمع العمال بناة الأهرامات.

أمرت مساعدي بترك التماثيل الأربعة كما هي داخل السرداب وإعادة أحجار السدة كما كانت انتظاراً لعقد مؤتمر صحافي عالمي بحضور وزير الثقافة فاروق حسني في ذلك الوقت، لكي نعلن للعالم كله عن هذا الكشف المثير والفريد. لم أكن أعلم أن زلزالاً قوياً سيضرب مصر كلها في اليوم التالي مباشرة – يوم الاثنين 12 أكتوبر 1992- وأن ذلك اليوم سيكون هو يوم الحزن الكبير على الدمار الذي خلفه الزلزال. أذكر أنني كنت في مكتبي وقت حدوث الزلزال وبعدما استقرت الأرض تحت قدمي توجهت على الفور إلى تمثال أبو الهول لكي أطمئن أن الرأس لا يزال في مكانه فوق كتفي التمثال! بعدها توجهت إلى موقع الحفائر القريب لكي أطمئن على تماثيل إنتي شيدو التي كانت مستقرة في مكانها تنظر إليّ ولسان حالها يقول: «اطمئن لقد مر علينا ما هو أسوأ من ذلك خلال الـ4000 سنة الماضية، وما زلنا صامدين شاهدين على قصة حضارة مصر القديمة!».

omantoday

GMT 14:25 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

وجها السقوط

GMT 14:23 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

نقاشٌ مع الكاتب العُماني عاصم الشيدي

GMT 14:20 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

حرب السودان ومخطط شد الأطراف

GMT 14:18 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

ظروف الحروب ودروس التاريخ

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

يوم تهاوت المباني وصمدت التماثيل يوم تهاوت المباني وصمدت التماثيل



إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 16:49 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

الملك سلمان يتلقى رسالة خطية من سلطان عمان

GMT 23:24 2020 الإثنين ,28 كانون الأول / ديسمبر

أجمل دعاء قصير للهداية وذهاب الحزن والهم

GMT 00:00 2020 الإثنين ,07 كانون الأول / ديسمبر

يجعلك هذا اليوم أكثر قدرة على إتخاذ قرارات مادية مناسبة

GMT 09:54 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج الحوت

GMT 21:10 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

تنفرج السماء لتظهر الحلول والتسويات

GMT 05:12 2023 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

القمر في منزلك الثامن يدفعك لتحقق مكاسب وفوائد

GMT 04:25 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج السرطان الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 16:15 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

يحمل إليك هذا اليوم كمّاً من النقاشات الجيدة

GMT 19:30 2020 الخميس ,28 أيار / مايو

ينعشك هذا اليوم ويجعلك مقبلاً على الحياة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon